( 100 )


[ 38 ]
ومن خطبة له(عليه السلام)
[وفيها علة تسمية الشبهة شبهة، ثم بيان حال الناس فيها]


     وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الشُّبْهَةُ شُبْهَةً لاَِنَّهَا تُشْبِهُ الْحَقَّ، فَأَمَّا أَوْلِيَاءُ اللهِ فَضِيَاؤُهُمْ فِيهَا الْيَقِينُ، وَدَلِيلُهُمْ سَمْتُ الْهُدَى(1)، وَأَمَّا أَعْدَاءُ اللهِ فَدُعَاؤُهُمْ الضَّلالُ، وَدَلِيلُهُمُ الْعَمْى، فَمَا يَنْجُو مِنَ المَوْتِ مَنْ خَافَهُ، وَلا يُعْطَى الْبَقَاءَ مَنْ أَحَبَّهُ.

[ 39 ]
ومن خطبة له(عليه السلام)
[خطبها عند علمه بغزوة النعمان بن بشير صاحب معاوية لعين التمر]
[وفيها يبدي عذره، ويستنهض الناس لنصرته]


     مُنِيتُ(2) بِمَنْ لاَ يُطِيعُ إِذَا أَمَرْتُ وَلا يُجِيبُ إِذَا دَعَوْتُ، لاَ أَبَا لَكُمْ! مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ رَبَّكُمْ؟ أَمَا دِينٌ يَجْمَعُكُمْ، وَلاَ حَمِيَّةَ تُحْمِشُكُمْ(3)؟! أَقُومُ
____________
     1. سَمْتُ الهُدَى: طريقته.
     2. مُنِيتُ: بُلِيتُ.
     3. تُحْمِشُكُم: تُغْضِبُكم على أعدائكم.


( 101 )


فِيكُمْ مُسْتَصْرِخاً(1)، وَأُنادِيكُمْ مُتَغَوِّثاً(2)، فَلاَ تَسْمَعُونَ لي قَوْلاً، وَلاَ تُطِيعُون لِي أَمْراً، حَتَّى تَكَشَّفَ الاُْمُورُ عَنْ عَوَاقِبِ الْمَساءَةِ، فَمَا يُدْرَكُ بِكُمْ ثَارٌ، وَلاَ يُبْلَغُ بِكُمْ مَرَامٌ، دَعَوْتُكُمْ إِلَى نَصْرِ إِخْوَانِكُمْ فَجَرْجَرْتُمْ(3) جَرْجَرَةَ الْجَمَلِ الاَْسَرِّ(4)، وَتَثَاقَلْتُمْ تَثَاقُلَ الْنِّضْوِ الاَْدْبَرِ(5)، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ مِنْكُمْ جُنَيْدٌ مُتَذَائِبٌ ضَعِيفٌ (كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ).

      قوله(عليه السلام): «مُتَذَائِبٌ» أي: مضطرب، من قولهم: تذاءبت الريح أي: اضطرب هبوبها، ومنه سمّي الذئب، لاضطراب مشيته.

    

[ 40 ]
ومن كلام له(عليه السلام)
في الخوارج لما سمع(عليه السلام) قولهم: «لا حكم إلاّ لله»


     قال(عليه السلام):
     كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ! نَعَمْ إِنَّهُ لا حُكْمَ إِلاَّ للهِ، ولكِنَّ هؤُلاَءِ يَقُولُونَ:
____________
     1. المُسْتَصرِخ: المستنصر (المستجلب من ينصره بصوته).
     2. مُتَغَوّثاً: أي قائلا «وَاغَوْثاه».
     3. جَرْجَرْتُمْ; الجرجرة: صوت يردده البعير في حنجرته عند عَسْفِهِ.
     4. الاسَرّ: المصاب بداء السّرَر، وهو مرض في كَرْكَرَة البعير، أي زَوْرِهِ، ينشأ من الدّبَرَةِ والقرحة.
     5. النّضْوِ: المهزول من الابل، والادْبَرَ: المدبور، أي المجروح المصاب بالدّبَرة ـ بالتحريك ـ وهي العَقْرِ والجرح من القَتَبِ ونحوه.


( 102 )


لاَ إِمْرَةَ، فَإِنَّهُ لاَبُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِير بَرّ أَوْ فَاجِر، يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ، وَيُبَلِّغُ اللهُ فِيهَا الاَْجَلَ، وَيُجْمَعُ بِهِ الْفَيءُ، وَيُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ، وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ، حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ، وَيُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِر.
     وفي رواية أُخرى أنّه(عليه السلام) لمّا سمع تحكيمهم قال: حُكْمَ اللهِ أَنْتَظِرُ فِيكُمْ.
     وقال:
     أَمَّا الاِْمْرَةُ الْبَرَّةُ فَيَعْمَلُ فيها التَّقِيُّ، وَأَمَّا الاِْمْرَةُ الْفَاجرَةُ فَيَتَمَتَّعُ فِيهَا الشَّقِيُّ، إلى أَنْ تَنْقَطِعَ مُدَّتُهُ، وَتُدْرِكَهُ مَنِيَّتُهُ.

[ 41 ]
ومن خطبة له(عليه السلام)
[وفيها ينهى عن الغدر ويحذر منه]


     إِنَّ الْوَفَاءَ تَوْأَمُ(1) الصِّدْقِ، وَلاَ أَعْلَمُ جُنَّةً(2) أوْقَى مِنْهُ(3)، وَمَا يَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَيْفَ الْمَرْجِعُ، وَلَقَدْ أَصْبَحْنا في زَمَان اتَّخَذَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ الْغَدْرَ كَيْساً(4)،
____________
     1. التَّوْأمُ: الذي يولد مع الاخر في حمل واحد.
     2. الجُنَّة ـ بالضم ـ : الوقاية، وأصلها ما استترت به من درع ونحوه.
     3. أوقى منه: أشدّ وقاية وحفظاً.
     4. الكَيْس ـ بالفتح ـ : الفطنة والذكاء.


( 103 )


وَنَسَبَهُمْ أَهْلُ الْجَهْلِ فِيهِ إِلى حُسْنِ الْحِيلَةِ، مَا لَهُمْ! قَاتَلَهُمُ اللهُ! قَدْ يَرَى الْحُوَّلُ الْقُلَّبُ(1) وَجْهَ الْحِيلَةِ وَدُونَهَا مَانِعٌ مِنْ أَمْرِ اللهِ وَنَهْيِهِ، فَيَدَعُهَا رَأْيَ عَيْن بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَيَنْتَهِزُ فُرْصَتَهَا مَنْ لاَ حَرِيجَةَ لَهُ فِي الدِّينِ(2).

[ 42 ]
ومن خطبة له(عليه السلام)
[وفيها يحذر من اتباع الهوى وطول الامل في الدنيا]


     أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَانِ: اتِّبَاعُ الْهَوَى، وَطُولُ الاَْمَلِ(3); فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ، وَأَمَّا طُولُ الاَْمَلِ فَيُنْسِي الاْخِرَةَ.
     أَلاَ وَإنَّ الدُّنْيَا قَدْ وَلَّتْ حَذَّاءَ(4)، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلاَّ صُبَابَةٌ(5) كَصُبَابَةِ الاْنَاءِ اصْطَبَّهَا صَابُّهَا(6)، أَلاَ وَإِنَّ الاْخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الاْخِرَةِ، وَلاَ تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ كُلَّ وَلَد سَيُلْحَقُ بأُمِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلاَ حِسَابَ، وَغَداً حِسَابٌ وَلاَ عَمَلَ.
____________
     1. الحُوّلُ القُلَّب ـ بضم الاول وتشديد الثاني من اللفظين ـ : هو البصير بتحويل الامور وتقليبها.
     2. الحَرِيجَة: التحرج والتحرز من الاثام.
     3. طُولُ الامَلِ: هو استفساح الاجل، والتسويف بالعمل.
     4. الحَذّاء ـ بالتشديد ـ : الماضية السريعة.
     5. الصبابة ـ بالضم ـ : البقيّة من الماء واللبن في الاناء.
     6. اصطبّها صابّها: كقولك: أبقاها مبقيها، أوتركها تاركها.


( 104 )


[ 43 ]
ومن كلام له(عليه السلام)
وقد أشار عليه أصحابه بالاستعداد لحرب أهل الشام بعد إرساله جرير بن عبدالله البجلي إلى معاوية:


     إِنَّ اسْتَعْدَادِي لِحَرْبِ أَهْلِ الشَّامِ وَجِرِيرٌ عِنْدَهُمْ، إِغْلاَقٌ لِلشَّامِ، وَصَرْفٌ لاَِهْلِهِ عَنْ خَيْر إِنْ أَرادُوهُ، وَلكِنْ قَدْ وَقَّتُّ لِجَرِير وَقْتاً لاَ يُقِيمُ بَعْدَهُ إِلاَّ مَخْدُوعاً أَوْ عَاصِياً، وَالرَّأْيُ مَعَ الاَْنَاةِ(1)، فَأَرْوِدُوا(2)، وَلاَ أَكْرَهُ لَكُمُ الاْعْدَادَ(3).
     وَلَقَدْ ضَرَبْتُ أَنْفَ هذَا الاَْمْرِ وَعَيْنَهُ(4)، وَقَلَّبْتُ ظَهْرَهُ وَبَطنَهُ، فَلَمْ أَرَلِي إِلاَّ الْقِتَالَ أَوِ الْكُفْرَ. إِنَّهُ قَدْ كَانَ عَلَى الاُْمَّةِ وَال أَحْدَثَ أَحْدَاثاً، وَأَوْجَدَ النَّاسَ مَقَالاً(5)، فَقَالُوا، ثُمَّ نَقَمُوا فَغَيَّروا.
____________
     1. الاناة: التثَبّتُ والتأني.
     2. أرْوِدُوا: ارفقُوا، أصله من أرْوَدَ في السير إرواداً، إذا سار برفق.
     3. الاعْداد: التهيئة.
     4. وَلَقَدْ ضرَبْتُ أنْفَ هذا الامْرِ وعَيْنَهُ: مَثَلٌ تقوله العرب في الاستقصاء في البحث والتأمل والفكر. 5. أوْجَدَ الناسَ مَقالاً: جعلهم واجدين له.
    


( 105 )


[ 44 ]
ومن كلام له(عليه السلام)
لمّا هرب مَصْقَلة بنُ هُبيرة الشيباني إلى معاوية، وكان قد ابتاع سَبْيَ بني ناجية من عامل أميرالمؤمنين(عليه السلام) وأعتقهم، فلمّا طالبه(عليه السلام) بالمال خاس به(1) وهرب إلى الشام، فقال:


     قَبَّحَ اللهُ(2) مَصْقَلَةَ! فَعَلَ فِعْلَ السَّادَةِ، وَفَرَّ فِرَارَ الْعَبِيدِ! فَمَا أَنْطَقَ مَادِحَهُ حَتَّى أَسْكَتَهُ، وَلاَ صَدَّقَ وَاصِفَهُ حَتَّى بَكَّتَهُ(3)، وَلَو أَقَامَ لاََخَذْنَا مَيْسُورَهُ(4)، وَانْتَظَرْنا بِمَالِهِ وُفُورَهُ(5).
    
____________
     1. خاسَ به: خان وغدر.
     2. قَبّحَهُ الله: أي نحّاه عن الخير.
     3. بكّته: قَرّعَهُ وَعَنّفَهُ.
     4. مَيْسُورُه: ما تَيَسَّرَ له.
     5. الوُفور: مصدر وَفَرَ المالُ، أي تم.


( 106 )


[ 45 ]
ومن خطبة له(عليه السلام)
[وهو بعض خطبة طويلة خطبها يوم الفطر]
[وفيها يحمد الله ويذم الدنيا:]


[حمد الله]


     الْحَمْدُ للهِ غَيْرَ مَقْنُوط(1) مِنْ رَحْمَتِهِ، وَلاَ مَخْلُوٍّ مِنْ نِعْمَتِهِ، وَلاَ مَأْيُوس مِنْ مَغْفِرَتِهِ، وَلاَ مُسْتَنْكَف(2) عَنْ عِبَادَتِهِ، الَّذِي لاَ تَبْرَحُ مِنْهُ رَحْمَةٌ، وَلاَ تُفْقَدُ لَهُ نِعْمَةٌ.

[ذم الدنيا]


     وَالدُّنْيَا دَارٌ مُنِيَ لَهَا الْفَنَاءُ(3)، وَلاَِهْلِهَا مِنْهَا الْجَلاَءُ(4)، وَهِيَ حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، قَدْ عُجِّلَتْ لِلطَّالِبِ، وَالْتَبَسَتْ بِقَلْبِ النَّاظِرِ(5); فَارْتَحِلُوا مِنْهَا بِأَحْسَنِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ، وَلاَ تَسْأَلُوا فِيها فَوْقَ الْكَفَافِ(6)، وَلاَ تَطْلُبُوا مِنْهَا أكْثَرَ مِنَ الْبَلاَغِ(7).
    
____________
     1. مَقْنُوط: ميؤوس، من القنوط وهو اليأس.
     2. مُسْتَنْكف; الاستنكاف: الاستكبار.
     3. مُنيَ لها الفَنَاءُ ـ ببناء الفعل للمجهول ـ أي: قُدّرَلها.
     4. الجلاء: الخروج من الاوطان.
     5. التَبَسَتْ بِقَلْبِ الناظِرِ: اختلطت به محبةً.
     6. الكَفاف: ما يَكُفّكَ أي يمنعك عن سؤال غيرك، وهو مقدار القوت.
     7. البلاغ: ما يتبلّغ به، أي: يقتات به مدّة الحياة.


( 107 )


[ 46 ]
ومن كلام له(عليه السلام)
عند عزمه على المسير إِلى الشام
[وهو دعاء دعا به ربَّه عند وضع رجله في الركاب:]


     اللَّهُمَّ إِنَّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ(1)، وَكَآبَةِ المُنْقَلَبِ(2)، وَسُوءِ المَنظَرِ فِي الاَْهْلِ وَالمَالِ والْوَلَدِ.
     اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ في السَّفَرِ، وَأَنْتَ الْخلِيفَةُ فِي الاَْهْلِ، وَلاَ يَجْمَعُهُما غَيْرُكَ، لاَِنَّ الْمُسْتَخْلَفَ لاَ يَكُونُ مُسْتَصْحَباً، وَالمُسْتَصْحَبُ لاَ يَكُونُ مُسْتَخْلَفاً.

      وابتداء هذا الكلام مرويّ عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وقد قفّاه(عليه السلام) بأبلغ كلام وتمّمه بأحسن تمام; من قوله: «ولا يجْمَعُهُمَا غَيْرُكَ» إلى آخر الفصل.

    

[ 47 ]
ومن كلام له(عليه السلام)
في ذكر الكوفة


     كَأَنَّي بِكِ يَاكُوفَةُ تُمَدِّينَ مَدَّ الاَْدَيمِ(3) الْعُكَاظِيِّ(4)، تُعْرَكِينَ بِالنَّوَازِلِ(5)، وَتُرْكَبِينَ بِالزَّلاَزِلِ، وَإِنَّي لاََعْلَمُ أَنَّهُ مَاأَرَادَ بِكِ جَبَّارٌ سُوءاً إِلاَّ ابْتَلاَهُ اللهُ بِشَاغِل، وَرَمَاهُ بِقَاتِل!
____________
     1. الوَعْثَاء: المشقة، وأصله المكان المُتْعِب لكثرة رمله وغوص الارجل فيه.
     2. المُنْقَلَب: مصدر بمعنى الرجوع.
     3. الاديم: الجلد المدبوغ.
     4. العُكاظِيّ: نسبة إلى عُكاظ ـ كغراب ـ وهي سوق كانت تقيمها العرب في صحراء بين «نخلة» و«الطائف» يجتمعون إليه ليتعا كظوا، أي يتفاخروا.
     5. النّوَازِل: الشدائد.


( 108 )


[ 48 ]
ومن خطبة له(عليه السلام)
عند المسير إلى الشام
[قيل: إنه خطب بها وهو بالنخيلة خارجاً من الكوفة إلى صفين:]


     الْحَمْدُ للهِ كُلَّمَا وَقَبَ(1) لَيْلٌ وَغَسَقَ(2)، وَالْحَمْدُ للهِ كُلَّمَا لاَحَ نَجْمٌ وَخَفَقَ(3)، والْحَمْدُ للهِ غَيْرَ مَفْقُودِ الاِْنْعَام، وَلاَ مُكَافَاَ الاِْفْضَالِ.
     أَمّا بَعْدُ، فَقَدْ بَعَثْتُ مُقَدِّمَتِي(4)، وَأَمَرْتُهُمْ بِلُزُومِ هذَا المِلْطَاطِ(5)، حَتَّى
____________
     1. وَقَبَ: دخلَ.
     2. غَسَقَ: اشتدت ظلمته.
     3. خَفَقَ النجم: غاب.
     4. المُقَدِّمة ـ بكسر الدال ـ : صدر الجيش، ومقدّمة الانسان ـ بفتح الدال ـ : صدره.
     5. المِلْطاط: حافة الوادي وشفيرُهُ وساحل البحر.


( 109 )


يَأْتِيَهُمْ أَمْرِي، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَقْطَعَ هذِهِ الْنُّطْفَةَ إِلَى شِرْذِمَة(1) مِنْكُمْ، مُوَطِّنِينَ أَكْنَافَ(2) دَجْلَةَ، فَأُنْهِضَهُمْ مَعَكُمْ إِلَى عَدُوِّكُمْ، وَأَجْعَلَهُمْ مِنْ أَمْدَادِ(3) الْقُوَّةِ لَكُمْ.

يعني (عليه السلام) بالملطاط ها هنا: السّمْتَ الذي أمرهم بلزومه، وهو شاطىء الفرات، ويقال ذلك أيضاً لشاطىء البحر، وأصله ما استوى من الارض.
     ويعني بالنطفة: ماء الفرات، وهو من غريب العبارات وعجيبها.


[ 49 ]
ومن خطبة له(عليه السلام)
[وفيها جملة من صفات الربوبية والعلم الالهي]


     الْحَمْدُ للهِ الَّذِي بَطَنَ خَفِيَّاتِ(4) الاُْمُورِ، وَدَلَّتْ عَلَيْهِ أَعْلاَمُ(5) الظُّهُورِ، وَامْتَنَعَ عَلَى عَيْنِ الْبَصِيرِ; فَلاَ عَيْنُ مَنْ لَمْ يَرَهُ تُنْكِرُهُ، وَلاَ قَلْبُ مَنْ أَثْبَتَهُ يُبْصِرُهُ، سَبَقَ فِي الْعُلُوِّ فَلاَ شَيءَ أَعْلَى مِنْهُ، وَقَرُبَ فِي الدُّنُوِّ فَلاَ شَيْءَ أَقْرَبُ مِنْهُ، فَلاَ اسْتِعْلاَؤُهُ بِاعَدَهُ عَنْ شَيْء مِنْ خَلْقِهِ، وَلاَ قُرْبُهُ سَاوَاهُمْ في
____________
     1. الشرذمة: النفر القليلون.
     2. الاكناف: الجوانب، و«موطّنين الاكْنَافَ» أي: جعلوها وطَناً. 3. الامْداد: جمع مَدَد، وهو ما يُمَدّ به الجيش لتقويته.
     4. بَطَنَ الخفيّات: علِمَها من باطنها.
     5. الاعْلام: جمع عَلَم ـ بالتحريك ـ وهو المنار يهتدى به، ثم عمّ في كل ما دل على شيء، وأعلام الظهور: الادلة الظاهرة.


( 110 )


المَكَانِ بِهِ، لَمْ يُطْلِعِ الْعُقُولَ عَلَى تَحْدِيدِ صِفَتِهِ، ولَمْ يَحْجُبْهَا عَنْ وَاجِبِ مَعْرِفِتِهِ، فَهُوَ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ أَعْلاَمُ الْوُجُودِ، عَلَى إِقْرَارِ قَلْبِ ذِي الْجُحُودِ، تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقولُ الْمُشَبِّهُونَ بِهِ وَالْجَاحِدُونَ لَهُ عُلوّاً كَبِيراً!

[ 50 ]
ومن خطبة له(عليه السلام)
[وفيها بيان لما يخرب العالم به من الفتن وبيان هذه الفتن]


     إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ، وَأَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ، يُخَالَفُ فِيهَا كِتابُ اللهِ، وَيَتَوَلَّى عَلَيْهَا رِجَالٌ رِجَالاً، عَلَى غَيْرِ دِينِ اللهِ، فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى الْمُرْتَادِينَ(1)، وَلَوْ أَنَّ الْحقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ البَاطِلِ انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعَانِدِينَ; وَلكِن يُؤْخَذُ مِنْ هذَا ضِغْثٌ(2)، وَمِنْ هذَا ضِغْثٌ، فَيُمْزَجَانِ! فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، وَيَنْجُو الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللهِ الْحُسْنَى.
    
____________
     1. المُرْتادِين: الطالبين للحقيقة.
     2. الضِغْث ـ بالكسر ـ : قبضة من حشيش مختلط فيها الرطب باليابس.
    


( 111 )


[ 51 ]
ومن كلامه(عليه السلام)


     لمّا غلب أصحاب معاوية أصحابه على شريعة(1) الفرات بصفين ومنعوهم الماء
     قَدِ اسْتَطْعَمُوكُمُ الْقِتَالَ(2)، فَأَقِرُّوا عَلَى مَذَلَّة، وَتَأْخِيرِ مَحَلَّة، أَوْ رَوُّوا السُّيُوفَ مِنَ الدِّمَاءِ تَرْوَوْا مِنَ الْمَاءِ، فَالمَوْتُ في حَيَاتِكُمْ مَقْهُورِينَ، وَالْحَيَاةُ في مَوْتِكُمْ قَاهِرِينَ.
     أَلاَ وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ قَادَ لُمَةً(3) مِنَ الْغُوَاةِ وَعَمَّسَ عَلَيْهِمُ الْخَبَرَ(4)، حَتَّى جَعَلُوا نُحُورَهُمْ أَغْرَاضَ(5) الْمَنِيَّةِ.

[ 52 ]
ومن خطبة له(عليه السلام)
قد تقدّم مختارها برواية ونذكرها هاهنا برواية أخرى لتغاير الروايتين
[التزهيد في الدنيا]


     أَلاَ وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَصَرَّمَتْ، وَآذَنَتْ بِانْقِضَاء، وَتَنَكَّرَ مَعْرُوفُها(6)، وَأَدْبَرَتْ حَذَّاءَ(7)، فَهِيَ تَحْفِزُ(8) بِالْفَنَاءِ سُكَّانَهَا، وَتَحْدُو(9) بِالْمَوْتِ جِيرَانَهَا، وَقَدْ
____________
     1. الشريعة: مورد الشاربة من النهر. 2. اسْتَطْعَمُوكُمُ القِتَال: طلبوا منكم أن تطعموهم القتال، كما يقال «فلان يستطعمني الحديث» أي يستدعيه مني.
     3. اللُّمَةُ ـ بالتخفيف ـ : الجماعة القليلة.
     4. عَمّسَ عَلَيْهِم الخَبَرَ: أبهمه عليهم وجعله مظلماً.
     5. الاغراض: جمع غرض، وهو الهدف.
     6. تَنَكّرَ مَعْرُوفُها: خفي وجهها.
     7. حَذَّاء: ماضية، سريعة، وفي رواية «جذاء» أي مقطوعة الدّرِّ والخير.
     8. تَحْفِزُهم: تَدفعهم وتسوقهم.
     9. تَحْدُوـ بالواوبعد الدال ـ : تسوقهم بالموت إلى الهلاك.


( 112 )


أَمَرَّ(1) مِنْها مَا كَانَ حُلْواً، وَكَدِرَ(2) مِنْهَا ما كَانَ صَفْواً، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلاَّ سَمَلَةٌ كَسَمَلَةِ الاِْدَاوَةِ(3)، أَوْ جُرْعَةٌ كَجُرْعَةِ الْمَقْلَةِ(4)، لَوْ تَمَزَّزَهَا )الصَّدْيَانُ(5) لَمْ يَنْقَعْ(6)، فَأَزْمِعُوا(7) عِبَادَ اللهِ الرَّحِيلَ عَنْ هذِهِ الدَّارِ المَقْدُورِ(8) عَلَى أَهْلِهَا الزَّوالُ، وَلاَ يَغْلِبَنَّكُمْ فِيهَا الاَْمَلُ، وَلاَ يَطُولَنَّ عَلَيْكُمْ الاَْمَدُ.
    
____________
     1. أمَرّ الشيء: صار مُرّاً. 2. كدِر كدَراً ـ كفرح فَرَحاً وكدُر ـ بالضم كظرُف ـ كُدُورةً: تعكّرَ وتغير لونه واختلط بما لا يستساغ هو معه.
     3. السَمَلَة ـ محركة ـ : بقية الماء في الحوض، والاداوة: المَطْهَرَةُ، وهي إناء الماء الذي يُتَطَهّرُ به.
     4. المَقْلَة ـ بالفتح ـ : حَصاة يضعها المسافرون في إناء، ثم يصبون الماء فيه ليغمرها، فيتناول كل منهم مقدار ما غمره، يفعلون ذلك إذا قل الماء، وأرادوا قسمته بالسوية.
     5. التمزّزُ: الامتصاص قليلاً قليلاً، والصّدْيَانُ: العطشانُ.
     6. لم يَنْقَعْ: لم يُرْوَ.
     7. أزْمِعُوا الرحيلَ: أي اعزموا عليه، يقال: أزمع الامرَ، ولا يقال أزمع عليه.
     8. المقدور: المكتوب.


( 113 )


[ثواب الزهاد]


     فَوَاللهِ لَوْ حَنَنْتُمْ حَنِينَ الْوُلَّهِ الْعِجَالِ(1)، وَدَعَوْتُمْ بِهَدِيلِ الْحَمَامِ(2)، وَجَأَرْتُمْ جُؤَارَ(3) مُتَبَتِّلِي(4) الرُّهْبَانِ، وَخَرَجْتُمْ إِلَى اللهِ مِنَ الاَْمْوَالِ وَالاَْوْلاَدِ، الِْتمَاسَ الْقُرْبَةِ إِلَيْهِ فِي ارْتِفَاعِ دَرَجَة عِنْدَهُ، أوغُفْرَانِ سِيِّئَة أَحْصَتْهَا كُتُبُهُ، وَحَفِظَتْهَا رُسُلُهُ، لَكَانَ قَلِيلاً فَيَما أَرْجُو لَكُم مِنْ ثَوَابِهِ، وَأَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ عِقَابِهِ.

[نعم الله]


     وَتَاللهِ لَوِ انْمَاثَتْ قُلوبُكُمُ انْمِيَاثاً(5)، وَسَالَتْ عُيُونُكُمْ مِنْ رَغْبَة إِلَيْهِ وَرَهْبَة مِنْهُ دَماً، ثُمَّ عُمِّرْتُمْ فِي الدُّنْيَا، مَا الدُّنْيَا بَاقِيَةٌ، مَا جَزَتْ أَعْمَالُكُمْ [عَنْكُمْ] ـ وَلَوْ لَمْ تُبْقُوا شَيْئاً مِنْ جُهْدِكُمْ ـ أَنْعُمَهُ عَلَيْكُمُ الْعِظَامَ، وَهُدَاهُ إِيَّاكُمْ لِلاِْيمَانِ.
____________
     1. الوُلّه العِجَال; الوُلّه: جمع وَالهة وهي كلّ أُنثى فَقَدتْ ولدها، وأصل الوَلَهِ: ذهابُ العقل، والعِجال من النّوق ـ جمع عَجُول ـ : وهي التي فقدت ولدها.
     2. هَدِيلُ الحمام: صوته في بكائه لفقد إلفه.
     3. جَأرْتُمْ: رفعتم أصواتكم; والجُؤار: الصوت المرتفع.
     4. المتبَتّل: المنقطع للعبادة.
     5. انماثت انمياثاً: ذَابَتْ ذَوَباناً.


( 114 )


ومنها: في ذكر يوم النحر وصفة الاضحية


     وَمِنْ تَمَامِ الاُْضحِيَةِ(1) اسْتِشْرَافُ أُذُنِهَا(2)، وَسَلاَمَةُ عَيْنِهَا، فَإِذَا سَلِمَتِ الاُْذُنُ وَالْعَيْنُ سَلِمَتِ الاُْضْحِيِةُ وَتَمَّتْ، وَلَوْ كَانَتْ عَضْبَاءَ الْقَرْنِ(3) تَجُرُّ رِجْلَهَا إِلَى المَنْسَكِ(4).

[ 53 ]
ومن كلام له(عليه السلام)
[وفيه يصف أصحابه بصفين حين طال منعهم له من قتال أهل الشام:]


     فَتَدَاكُّوا(5) عَلَيَّ تَدَاكَّ الاِْبِلِ الْهِيمِ(6) يَوْمَ وِرْدِهَا(7)، قَدْ أَرْسَلَهَا رَاعِيهَا، وَخُلِعَتْ مَثَانِيهَا(8)، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ قَاتِليَّ، أَوْ بَعْضُهُمْ قَاتِلُ بَعْض لَدَيَّ، وَقَدْ قلَّبْتُ هذَا الاَْمْرَ بَطْنَهُ وَظَهْرَهُ حَتَّى مَنَعَنِي النَّوْمَ، فَمَا وَجَدْتُنِي يَسَعْني إِلاَّ قِتَالُهُمْ أَوِ الْجُحُودُ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ(صلى الله عليه وآله)، فَكَانَتْ مُعَالَجَةُ الْقِتَالِ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مُعَالَجَةِ الْعِقَابِ، وَمَوْتَاتُ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مَوْتَاتِ الاْخِرَةِ.
____________
     1. الاضحية: الشاة التي طلب الشارع ذبحها بعد شروق الشمس من عيد الاضحى.
     2. اسْتِشراف أُذُنِها: نَفَقّدُها حتى لاتكون مجدوعة أومشقوقة.
     3. عَضْباء القَرْن: مكسورته.
     4. تَجُرّ رجلها إلى المنْسَك: أي عرجاء; والمنسك: المذبح.
     5. تَدَاكّوا: تزاحموا عليه ليبايعوه رغبةً فيه.
     6. الهيِم: العِطاش من الابل.
     7. يوم وِرْدِها: يوم شربها الماء.
     8. المثَاني ـ جمع المثناة بفتح الميم وكسرها ـ : حبل من صوف أوشعر يُعْقَلُ به البعير.


( 115 )


[ 54 ]
ومن كلام له(عليه السلام)
وقد استبطأ أصحابه إذنه لهم في القتال بصفين


     أمَّا قَوْلُكُمْ: أَكُلَّ ذلِكَ كَرَاهِيَةَ الْمَوْتِ؟ فَوَاللهِ مَا أُبَالِي دَخَلْتُ إِلَى المَوْتِ أَوْ خَرَجَ المَوْتُ إِلَيَّ.
     وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: شَكّاً في أَهْلِ الشَّامِ! فَوَاللهِ مَا دَفَعْتُ الْحَرْبَ يَوْماً إِلاَّ وَأَنَا أَطْمَعُ أَنْ تَلْحَقَ بِي طَائِفَةٌ فَتَهْتَدِيَ بِي، وَتَعْشُوَ إِلى ضَوْئِي(1)، فهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَهَا عَلَى ضَلالِهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَبُوءُ بِآثَامِهَا(2).
    
____________
     1. تَعْشُو إلى ضوئي: تستدل عليه ببصر ضعيف.
     2. تَبُوء بآثامها: ترجع.


( 116 )


[ 55 ]
ومن كلام له(عليه السلام)
[يصف أصحاب رسول الله]
[وذلك يوم صفين حين أمر الناس بالصلح]


     وَلَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله)، نَقْتُلُ آبَاءَنا وَأَبْنَاءَنَا وَإخْوَانَنا وَأَعْمَامَنَا، مَا يَزِيدُنَا ذلِكَ إلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً، وَمُضِيّاً عَلَى اللَّقَمِ(1)، وَصَبْراً عَلى مَضَضِ الاْلَمِ(2)، وَجِدّاً عَلى جِهَادِ الْعَدُوِّ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا وَالاْخَرُ مِنْ عَدُوِّنا يَتَصَاوَلاَنِ تَصَاوُلَ(3) الْفَحْلَيْنِ، يَتَخَالَسَانِ أَنْفُسَهُمَا(4)، أيُّهُمَا يَسْقِي صَاحِبَهُ كَأْسَ المَنُونِ، فَمَرَّةً لَنَا مِنْ عَدُوِّنَا، ومَرَّةً لِعَدُوِّنا مِنَّا، فَلَمَّا رَأَى اللهُ صِدْقَنَا أَنْزَلَ بِعَدُوِّنَا الْكَبْتَ(5)، وَأَنْزَلَ عَلَيْنَا النَّصرَ، حَتَّى اسْتَقَرَّ الاِْسْلاَمُ مُلْقِياً جِرَانَهُ(6) وَمُتَبَوِّئاً أَوْطَانَهُ، وَلَعَمْرِي لَوْ كُنَّا نَأْتِي مَا أَتَيْتُمْ، مَا قَامَ لِلدِّينِ عَمُودٌ، وَلاَ اخْضَرَّ لِلاِيمَانِ عُودٌ، وَأَيْمُ اللهِ لَتَحْتَلِبُنَّهَا(7) دَماً، وَلَتُتْبِعُنَّهَا نَدَماً!
____________
     1. اللّقَم ـ بالتحريك وبوزن صُرَد أيضاً ـ : معظم الطريق أوجادّته.
     2. مَضَض الالم: لذعته وبُرَحاؤه.
     3. التّصاول: أن يحمل كل واحد من النّدّين على صاحبه.
     4. يتخالَسان أنْفُسَهُما: كل منهما يطلب اختلاس روح الاخر.
     5. الكَبْت: الاذلال.
     6. جِران البعير ـ بالكسر ـ : مقدّمُ عنقه من مذبحه إلى مَنْحَره; وإلقاء الجِران كناية عن التمكّن.
     7. الاحتلاب: استخراج ما في الضرع من اللبن.


( 117 )


[ 56 ]
ومن كلام له (عليه السلام) لاصحابه


     أما إنِّهُ سِيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ(1) بَعْدِي رَجُلٌ رَحْبُ الْبُلْعُومِ(2)، مُنْدَحِقُ الْبَطْنِ(3)، يَأْكُلُ مَا يَجِدُ، وَيَطْلُبُ مَا لاَ يَجِدُ، فَاقْتُلُوهُ، وَلَنْ تَقْتُلُوهُ! أَلاَ وَإِنَّهُ سَيَأْمُرُكُمْ بِسَبِّي وَالْبَرَاءَةِ مِنِّي; فَأَمَّا السَّبُّ فَسُبُّونِي، فَإِنَّهُ لي زَكَاةٌ،وَلَكُمْ نَجَاةٌ; وَأَمَّا الْبَرَاءَةُ فَلاَ تَتَبَرَّأُوا مِنِّي، فَإِنِّي وَلِدْتُ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَسَبَقْتُ إِلَى الاِْيمَانِ وَالْهِجْرَةِ.
    
____________
     1. سيَظْهَرُ عليكُم: سيغلب.
     2. رَحْبُ البُلْعُوم: واسعُهُ.
     3. مُنْدَحِقُ البَطْن: عظيم البطن بارزه، كأنه لِعِظَمِهِ مُنْدلقٌ من بدنه يكاد يَبينُ عنه، وأصل «اندحق» بمعنى انزلق.


( 118 )


[ 57 ]
ومن كلامه(عليه السلام)
كلّم به الخوارج [حين اعتزلوا الحكومة وتنادوا: أن لا حكم إلاّ لله]


     أَصَابَكُمْ حَاصِبٌ(1)، وَلاَ بَقِيَ مِنْكُمْ آبرٌ، أَبَعْدَ إِيمَاني بِاللهِ وَجِهَادِي مَعَ رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله)أَشْهَدُ عَلَى نَفْسِي بِالْكُفْرِ! لَقَدْ (ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)! فَأُوبُوا شَرَّ مَآب(2)، وَارْجِعُوا عَلَى أَثَرِ الاَْعْقَابِ(3)، أَمَا إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ذُلاًّ شَامِلاً، وَسَيْفاً قَاطِعاً، وَأَثَرَةً(4) يَتَّخِذُهَاالظَّالِمونَ فِيكُمْ سُنَّةً.

      قوله(عليه السلام): «ولا بقي منك آبر» يُروى على ثلاثة أوجه:
           أحدها أن يكون كما ذكرناه، بالراء، من قولهم: رجلٌ آبِرٌ: للذي يأبر النخل، أي: يصلحه.
           ويروى: «آثِرٌ»، يُراد به: الذي يأثر الحديث، أي: يحكيه ويرويه، وهو أصح الوجوه عندي، كأنه(عليه السلام)قال: لا بقي منكم مُخبر!
           ويروى: «آبِز» ـ بالزاي معجمة ـ وهو: الواثب، والهالك أيضاً يقال له: آبزٌ.

    

[ 58 ]
وقال(عليه السلام)
لمّا عزم على حرب الخوارج
وقيل له: إن القوم قد عبروا جسر النهروان


     مَصَارِعُهُمْ دُونَ النُّطْفَةِ، وَاللهِ لاَ يُفْلِتُ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ، وَلاَ يَهْلِكُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ.

      يعني بالنطفة: ماء النهر، وهي أفصح كناية عن الماء وإن كان كثيراً جماً، وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم عند مضيّ ما أشبهه.

    
____________
     1. الحاصِبُ: ريح شديدة تحمل التراب والحصى، والجملة دعاء عليهم بالهلاك.
     2. فأوبُوا شرّ مآب: انقلبوا شرّ منقلب بضلالتكم في زعمكم.
     3. الاعقاب: جمع عقِب ـ بكسرالقاف ـ وهو مؤخر القدم.
     4. الاثَرة: الاستبداد بفوائد الملك.


( 119 )


[ 59 ]
وقال(عليه السلام)
لمّا قتل الخوارج
فقيل له: يا أميرالمؤمنين، هلك القوم بأجمعهم، فقال:


     كَلاَّ وَالله، إِنَّهُمْ نُطَفٌ فِي أَصْلاَبِ الرِّجَالِ، وَقَرَارَاتِ النِّسَاءِ(1)، كُلَّمَا نَجَمَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ(2)، حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ لُصُوصاً سَلاَّبِينَ.

[ 60 ]
وقال(عليه السلام) فيهم


     لاَ تَقْتُلُوا الْخَوَارِجَ بَعْدِي، فَلَيْسَ مَنْ طَلَبَ الْحَقَّ فَأَخْطَأَهُ، كَمَنْ طَلَبَ الْبَاطِلَ فَأَدْرَكَهُ.

      يعني: معاوية وأصحابه.

    
____________
     1. قَرَارات النساء: كناية عن الارحام.
     2. كُلّما نَجَمَ منهم قَرْنٌ قُطِعَ: كلما ظهر أوطلع منهم رئيس قُتل.
    


( 120 )


[ 61 ]
ومن كلام له(عليه السلام)
لمّا خُوِّف من الغيلة(1)


     وَإِنَّ عَلَيَّ مِنَ اللهِ جُنَّةً(2) حَصِينةً، فَإِذَا جَاءَ يَوْمِي انْفَرَجَتْ عَنِّي وَأَسْلَمَتْنِي; فَحِينَئِذ لاَ يَطِيشُ السَّهْمُ(3)، وَلاَ يَبْرَأُ الْكَلْمُ(4).

[ 62 ]
ومن خطبة له(عليه السلام)
[يحذر من فتنة الدنيا]


     أَلاَ وإنَّ الدُّنْيَا دَارٌ لاَ يُسْلَمُ مِنْهَا إِلاَّ فِيهَا، وَلاَ يُنْجَى بِشَيْء كَانَ لَهَا، ابْتُلِيَ النَّاسُ بِهَا فِتْنَةً، فَمَا أَخَذُوهُ مِنْهَا لَهَا أُخْرِجُوا مِنْهُ وَحُوسِبُوا عَلَيْهِ، وَمَا أَخَذُوهُ مِنْهَا لِغَيْرِهَا قَدِمُوا عَلَيْهِ وَأَقَامُوا فِيهِ; فَإِنَّهَا عِنْدَ ذَوِي الْعُقُولِ كَفَيْءِ الظِّلِّ، بِيْنَا تَرَاهُ سَابِغاً(5) حَتَّى قَلَصَ(6)، وَزَائِداً حَتَّى نَقَصَ.
    
____________
     1. الغَيْلة: القتل على غِرّة بغير شعور من المقتول كيف يأتيه القاتل.
     2. الجُنّة ـ بالضم ـ : الوقاية والملجأ والحصن، وقد سبقت.
     3. طاش السهم عن الهدف ـ من باب باع ـ أي: جاوره ولم يصبه.
     4. الكَلْمُ ـ بالفتح ـ : الجرح.
     5. سابغاً: ممتداً ساتراً للارض.
     6. قَلَصَ: انقبض.


( 121 )


[ 63 ]
ومن خطبة له(عليه السلام)
[في المبادرة إلى صالح الاعمال]


     وَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ(1)، وَابْتَاعُوا(2) مَا يَبْقَى لَكُمْ بِمَا يَزُولُ عَنْكُمْ، وَتَرَحَّلُوا(3) فَقَدْ جُدَّ بِكُمْ(4)، وَاسْتَعِدُّوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّكُمْ(5)، وَكُونُوا قَوْماً صِيحَ بِهمْ فَانْتَبَهُوا، وَعَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُمْ بِدَار فَاسْتَبْدَلُوا; فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً، وَلَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدىً(6)، وَمَا بَيْنَ أَحَدِكُمْ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ إِلاَّ الْمَوْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ.
     وَإِنَّ غَايَةً تَنْقُصُهَا اللَّحْظَةُ، وَتَهْدِمُهَا السَّاعَةُ، لَجَدِيرَةٌ بِقِصَرِالْمُدَّةِ، وَإِنَّ غَائِباً يَحْدُوهُ الْجَدِيدَانِ(7): اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، لَحَرِيٌّ(8) بِسُرْعَةِ الاَْوْبَةِ(9)، وَإِنَّ
____________
     1. بَادِرُوا آجالَكُمْ بأعمالِكُم أي: سابقوها وعاجلوها بها.
     2. ابتاعوا: اشتروا ما يبقى من النعيم الابدي، بما يفنى من لذة الحياة الدنيا وشهواتها المنقضية.
     3. الترحّل: الانتقال، والمراد هنا لازمه، وهو: إعداد الزاد الذي لا بدّ منه للراحل.
     4. جُدّ بكم: أي حُثِثْتم وأُزْعجتم إلى الرحيل.
     5. أظَلّكم: قرب منكم من كأنّ له ظّلاً قد ألقاه عليكم.
     6. سُدى: مهملين.
     7. يحدوه: يسوق،والجديدان: الليل والنهار.
     8. حَرِيّ: جدير.
     9. الاوْبَة: الرجعة.


( 122 )


قَادِماً يَقْدُمُ بِالفَوْزِ أَوالشِّقْوَةِ لَمُسْتَحِقٌّ لاَِفْضَلِ الْعُدَّةِ، فَتَزَوَّدُوا فِي الدُّنيَا مِنَ الدُّنْيَا مَا تَحْرُزُونَ بِهِ نُفُوسَكُمْ(1) غَداً.
     فَاتَّقَىْ عَبْدٌ رَبِّهُ، نَصَحَ نَفْسَهُ، قَدَّمَ تَوْبَتَهُ، غَلَبَ شَهْوَتَهُ، فَإِنَّ أَجَلَهُ مَسْتُورٌ عَنْهُ، وَأَمَلَهُ خَادِعٌ لَهُ، والشَّيْطَانُ مُوَكَّلٌ بِه، يُزَيِّنُ لَهُ الْمَعْصِيَةَ لِيَرْكَبَهَا، وَيُمَنِّيهِ التَّوْبَةَ لِيُسَوِّفَهَا(2)، حتّى تَهْجُم مَنِيَّتُهُ عَلَيْهِ أَغْفَلَ مَا يَكُونُ عَنْهَا.
     فَيَالَهَا حَسْرَةً عَلَى كُلِّ ذِي غَفْلَة أَنْ يَكُونَ عُمُرُهُ عَلَيْهِ حُجَّةً، وَأَنْ تُؤَدِّيَهُ أَيَّامُهُ إِلَى الشِّقْوَةِ!
     نَسْأَلُ اللهَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَجْعَلَنَا وَإِيَّاكُمْ مِمِّنْ لاَ تُبْطِرُهُ نَعْمَةٌ(3)، وَلاَ تُقَصِّرُ بِهِ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ غَايَةٌ، وَلاَ تَحُلُّ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ نَدَامَةٌ وَلاَ كَآبَةٌ.

[ 64 ]
ومن خطبة له(عليه السلام)
[وفيها مباحث لطيفة من العلم الالهي]


     [الْحَمْدُ للهِ] الَّذِي لَمْ تَسْبِقْ لَهُ حَالٌ حالاً، فَيَكُونَ أَوَّلاً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِراً، وَيَكُونَ ظَاهِراً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ بَاطِناً.
     كُلُّ مُسَمّىً بِالْوَحْدَةِ غَيْرَهُ قَلِيلٌ، وَكُلُّ عَزِيز غَيْرَهُ ذَلِيلٌ، وَكُلُّ قَوِي غَيْرَهُ
____________
     1. ما تَحْرُزُون به نفوسكم أي: تحفظونها به.
     2. يُسَوّفها: يؤجّلها ويؤخرها.
     3. لا تُبْطِرُهُ النعمة: لا تطغيه، ولا تسدل على بصيرته حجاب الغفلة عما هو صائر إليه.


( 123 )


ضَعِيفٌ، وَكُلُّ مَالِك غَيْرَهُ مَمْلُوكٌ، وَكُلُّ عَالِم غَيْرَهُ مُتَعَلِّمٌ، وَكُلُّ قَادِر غَيْرَهُ يَقْدِرُ وَيَعْجَزُ، وَكُلُّ سَمِيع غَيْرَهُ يَصَمُّ(1) عَنْ لَطِيفِ الاَْصْوَاتِ، ويُصِمُّهُ كَبِيرُهَا، وَيَذْهَبُ عَنْهُ مَا بَعُدَ مِنْهَا، وَكُلُّ بَصِير غَيْرَهُ يَعْمَى عَنْ خَفِيِّ الاَْلْوَانِ وَلَطِيفِ الاَْجْسَامِ، وَكُلُّ ظَاهِر غَيْرَهُ غَيْرُ بَاطِن، وَكُلُّ بَاطِن غَيْرَهُ غَيْرُ ظَاهِر.
     لَمْ يَخْلُقْ مَا خَلَقَهُ لِتَشْدِيدِ سُلْطَان، وَلاَ تَخْوُّف مِنْ عَوَاقِبِ زَمَان، وَلاَ اسْتِعَانَة عَلَى نِدّ (2) مُثَاوِر(3)، وَلاَ شَرِيك مُكَاثِر(4)، وَلاَ ضِدّ مُنَافِر(5); وَلكِنْ خَلاَئِقُ مَرْبُوبُونَ(6)، وَعِبَادٌ دَاخِرُونَ(7)، لَمْ يَحْلُلْ فِي الاَْشْيَاءِ فَيُقَالَ: هُوَ فيها كَائِنٌ، وَلَمْ
____________
     1. يَصَمّ ـ بفتح الصاد ـ : مضارع «صَمّ» ـ من باب علم ـ إذا أصيب بالصمم وفقد السمع; وما عظم من الاصوات حتى فات المألوف الذي يستطيع احتماله يحدث فيها الصمم بصدعه لها.
     2. النِّد ـ بكسر النون ـ : النظير والمثل، ولا يكون إلاّ مخالفاً، وجمعه أنداد مثل حِمْل وأحْمال.
     3. المثاور: المُوَاثِب والمُحارِب.
     4. الشريك المكاثرِ: المُفاخِرُ بالكثرة، هذا إذا قرىء بالثاء المثلثة، ويروى «المكابر» ـ بالباء الموحدة ـ أي: المفاخر بالكِبْر والعظمة.
     5. الضّدّ المُنافِر: الذي يحاكي ضده في الرفعة والنسب فيغلبه.
     6. مَرْبُوبُون: أي مملوكون.
     7. داخِرون: أذِلاّء، من دخر.


( 124 )


يَنْأَ عَنْهَا(1) فَيُقَالَ: هُوَ مِنْهَا بَائِنٌ(2).
     لَمْ يَؤُدْهُ(3) خَلْقُ مَا ابْتَدَأَ، وَلاَ تَدْبِيرُ مَا ذَرَأَ(4)، وَلاَ وَقَفَ بِهِ عَجْرٌ عَمَّا خَلَقَ،وَلاَ وَلَجَتْ(5) عَلَيْهِ شُبْهُةٌ فِيَما قَضَى وَقَدَّرَ، بَلْ قَضَاءٌ مُتْقَنٌ، وَعِلْمٌ مُحْكَمٌ، وَأَمْرٌ مُبْرَمٌ(6). المَأْمُولُ مَعَ النِّقَمِ، المرَهُوبُ مَعَ النِّعَمِ!

[ 65 ]
ومن كلام له(عليه السلام)
[في تعليم الحرب والمقاتلة]
في بعض أيام صفين


     مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ: اسْتَشْعِرُوا الْخَشْيَةَ(7)، وَتَجَلْبَبُوا(8) السَّكِينَةَ،
____________
     1. لم ينأ عنها أي: لم ينفصل انفصالَ الجسم. 2. بائن: منفصل.
     3. لم يَؤدْه: لم يُثْقِلْهُ، آدَهُ الامرُ; يَأوده: أثقله وأتعبه.
     4. ذرأ: خلق.
     5. وَلَجَتْ عليه: دَخَلَتْ.
     6. مُبْرَم: محتوم، وأصله من «أبْرَمَ الحبلَ» جعله طاقَيْن، ثم فتله، وبهذا أحكمه.
     7. اسْتَشْعِرُوا الخَشْيَةَ: اجعلوها من شِعاركم. والشعار هو ما يلي البدنَ من الثياب.
     8. تَجَلْببَ: لبِسَ الجِلْبَابَ، وهو ما تغطي به المرأة ثيابها من فوق.


( 125 )


وَعَضُّوا عَلَى النَّوَاجِذِ(1)، فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلْسُّيُوفِ(2) عَنِ الْهَامِ(3)، وَأَكْمِلُوا اللاَّْمَةَ(4)، وَقَلْقِلُوا السُّيُوفَ(5) فِي أَغْمَادِهَا(6) قَبْلَ سَلِّهَا، وَالْحَظُوا الْخَزْرَ(7)، وَاطْعُنُوا الشَّزْرَ(8)، وَنَافِحُوا بِالظُّبَا(9)، وَصِلُوا السُّيُوفَ بَالْخُطَا(10)، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ
____________
     1. النواجذ: جمع ناجذ، وهو أقصى الاضراس. ولكلّ إنسان أربعة نواجذ وهي بعد الارْحاءِ. ويسمى الناجذ ضرْسَ العقل. وإذا عضضت على ناجِذك تصلّبَتْ أعصابك وعضلاتك المتصلة بدماغك.
     2. أنْبَى للسيوف: أبعد عنها.
     3. الهام: جمع هامة، وهي الرأس.
     4. اللاْمَة: الدّرع. وإكمالها أن يُزَاد عليها البَيْضَةُ ونحوها. وقد يراد من اللامة آلات الحرب والدفاع، وإكمالها على هذااستيفاؤها.
     5. قَلْقِلُوا السيوف: حرّكوها في أغمادها.
     6. الاغْماد: جمع غمد وهو بيت السيف.
     7. الخزَر ـ محركةً، وسكّنها مراعاةً للسجعة الثانية ـ : النظر من أحد الشقّين، وهو علامة الغضب.
     8. الشّزْر ـ بفتح الشين ـ : الطعن في الجوانب يميناً وشمالاً.
     9. نافحوا بالظّبا; نافحوا: كافحوا وضاربوا، والظّباـ بالضم ـ : جمع ظبة، وهي طرف السيف وحدّه.
     10. صِلُوا السّيوفَ بالخُطَا: صِلوا من الوصل أي: اجعلوا سيوفكم متصلةً بخطا أعدائكم، جمع خطوة.


( 126 )


بِعَيْنِ اللهِ، وَمَعَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله)، فَعَاوِدُوا الْكَرَّ، وَاسْتَحْيُوا مِنَ الْفَرِّ(1)، فَإِنَّهُ عَارٌ فِي الاَْعْقَابِ(2)، وَنَارٌ يَوْمَ الْحِسَابِ، وَطِيبُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ نَفْساً، وَامْشُوا إِلَى الْمَوْتِ مَشْياً سُجُحاً(3)، وَعَلَيْكُمْ بِهذَا السَّوَادِ الاَْعْظَمِ، وَالرِّوَاقِ المُطَنَّبِ(4)، فَاضْرِبُوا ثَبَجَهُ(5)، فإِنَّ الشَّيْطَانَ كَامِنٌ فِي كِسْرِهِ(6)، قَدْ قَدَّمَ لِلْوَثْبَةِ يَداً، وَأَخَّرَ لِلنُّكُوصِ رِجْلاً; فَصَمْداً صَمْداً!(7) حَتَّى يَنْجَلِيَ لَكُمْ عَمُودُ الْحَقِّ (وَأَنْتُمُ الاَْعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ)(8)
____________
     1. الفَرّ: الفرار.
     2. عَارٌ في الاعْقاب: هنا الاولاد، لانهم يُعْيّرُون بفرار آبائهم.
     3. السُجُح ـ بضمتين ـ : السهل.
     4. الرِّوَاق المُطَنّب; الرواق ـ ككتاب وغراب ـ : الفسطاط، والمُطَنّب: المشدود بالاطْنَاب جمع طُنُب ـ بضمتين ـ وهو حبل يشدّ به سُرَادِقُ البيت.
     5. الثَبَجَ ـ بالتحريك ـ : الوسط.
     6. كِسْرُه ـ بالكسر ـ : شِقّه الاسفل، كناية عن الجوانب التي يفر إليها المنهزمون.
     7. الصَّمْد: القصد، أي: فاثبتوا على قصدكم.
     8. (لن يَتِرَكُم أعمالكم): لن ينقصكم شيئاً من جزائها.


( 127 )


[ 66 ]
ومن كلام له(عليه السلام)
في معنى الانصار
قالوا: لمّا انتهت إلى أميرالمؤمنين(عليه السلام) أنباء السقيفة(1) بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، قال(عليه السلام): ما قالت الانصار؟
قالوا: قالت: منا أمير ومنكم أمير.


     قال(عليه السلام): فَهَلاَّ احْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ: بِأَنَّ رَسُولَ اللهِ(صلى الله عليه وآله) وَصَّى بِأَنْ يُحْسَنَ إِلَى مُحْسِنِهمْ، وَيُتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ؟
     قالوا: وما في هذا من الحجّة عليهم؟
     فقال(عليه السلام): لَوْ كَانَتِ الامارة فِيهمْ لَمْ تَكُنِ الْوَصِيَّةُ بِهِمْ.
     ثم قال: فَمَاذَا قَالَتْ قُرَيْشٌ؟
     قالوا: احتجت بأَنها شجرة الرسول(صلى الله عليه وآله).
     فقال(عليه السلام): احْتَجُّوا بِالشَّجَرَةِ، وَأَضَاعُوا الَّثمَرَةَ.

[ 67 ]
ومن كلام له(عليه السلام)
لمّا قلد محمّد بن أبي بكر مصر فملكت عليه وقتل


     وَقَدْ أَرَدْتُ تَوْلِيَةَ مِصْرَ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ، وَلَوْ وَلَّيْتُهُ ِيَّاهَا لَما خَلَّى لَهُمُ الْعَرْصَةَ(2)، وَلاَ أَنْهَزَهُمُ الْفُرْصَةَ، بَلاَ ذَمٍّ لُِمحَمَّدِ بْنِ أَبي بَكْر، فَلَقَدْ كَانَ إِلَيَّ حَبِيباً، وَكَانَ لي رَبِيباً.
____________
     1. سقيفة بني ساعدة: اجتمع فيها بعض الصحابة بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لاختيار خليفة له.
     2. العَرْصَة: كل بقعة واسعة بين الدّور. والمراد ما جعل لهم مجالاً للمغالبة. وأراد بالعرصة عَرْصَةَ مصر، وكان محمد قد فرّ من عدوّه ظنّاً منه أنه ينجو بنفسه، فأدركوه وقتلوه.


( 128 )


[ 68 ]
ومن كلام له(عليه السلام)
في ذمّ أصحابه


     كَمْ أُدَارِيكُمْ كَمَا تُدَارَى الْبِكَارُ الْعَمِدَةُ(1)، وَالثِّيَابُ الْمتَدَاعِيَةُ!(2) كُلَّما حِيصَتْ(3) مِنْ جَانِب تَهَتَّكَتْ(4) مِنْ آخَرَ، كُلَّما أَطَلَّ عَلَيْكُمْ مَنْسِرٌ(5) مِنْ مَنَاسِرِ أَهْلِ الشَّامِ أَغْلَقَ كُلُّ رَجُل مِنْكُمْ بَابَهُ، وَانْجَحَرَ(6) انْجِحَارَ الضَّبَّةِ في جُحْرِهَا، وَالضَّبُعِ فِي وِجَارِهَا(7).
     الذَّلِيلُ وَاللهِ مَنْ نَصَرْتُمُوهُ! وَمَنْ رُمِيَ بِكُمْ فَقَدْ رُمِيَ بِأَفْوَقَ نَاصِل(8).
    
____________
     1. البِكار ـ ككتاب ـ جمع بكر: الفتيّ من الابل. العَمِدة ـ بفتح فكسر ـ : التي انفضح داخلُ سنَامِها من الركوب، وظاهُرهُ سليم.
     2. الثياب المُتداعية: الخَلقَةُ المُتَخَرّقة. ومُدَاراتها: استعمالها بالرفق التام.
     3. حيصَتْ: خِيطَتْ.
     4. تَهَتّكَتْ: تَخَرّقَتْ.
     5. المَنْسر ـ كمجلس ومنبر ـ : القطعة من الجيش تمر أمام الجيش الكثير. وأطلّ: أشرف.
     6. إنْجَحَرَ: دخَلَ الجُحْرَ.
     7. الوِجار ـ بالكسر ـ : جُحْرُ الضّبُع وغيرها.
     8. الافْوَق من السهام: ما كُسر فُوقُهُ، أي موضع الوتر منه. والناصل: العاري من النصل. والسهم إذا كان مكسور الفُوقِ عارياً عن النصل لم يؤثّر في الرمية.


( 129 )


إِنَّكُمْ ـ وَاللهِ ـ لَكَثِيرٌ فِي الْبَاحَاتِ(1)، قَليِلٌ تَحْتَ الرَّايَاتِ، وَإِنِّي لَعَالِمٌ بِمَا يُصْلِحُكُمْ، وَيُقِيمُ أَوَدَكُمْ(2)، وَلكِنِّي واللهِ لاَ أَرى إِصْلاَحَكُمْ بَإِفْسَادِ نَفْسِي.
     أَضْرَعَ اللهُ خُدُودَكُمْ(3)، وَأَتْعَسَ جُدُودَكُمْ(4)! لاَ تَعْرِفُونَ الْحَقَّ كَمَعْرِفَتِكُمُ الْبَاطِلَ،وَلاَ تُبْطِلُونَ الْبَاطِلَ كَإِبطَالِكُمُ الْحَقَّ!

[ 69 ]
وقال(عليه السلام)
في سُحرة(5) اليوم الذي ضرب فيه


     مَلَكَتْنِي عَيْنِي(6) وَأَنَا جَالِسٌ، فَسَنَحَ لي رَسُولُ اللهِ(صلى الله عليه وآله)(7): يَا رَسُولَ اللهِ، مَاذَا لَقِيتُ مِنْ أُمَّتِكَ مِنَ الاَْوَدِ وَاللَّدَدِ؟ فَقَالَ: «ادْعُ عَلَيْهِمْ»، فَقُلْتُ: أَبْدَلَنِي اللهُ بِهمْ خَيْراً لي مِنْهُمْ، وَأَبْدَلَهُمْ بِي شَرّاً لَهُمْ مِنِّي.

      يعني(عليه السلام) بالاود: الاعوجاج، وباللدد: الخصام. وهذا من أفصح الكلام.

    
____________
     1. الباحات: الساحات.
     2. أوَدَكم ـ بالتحريك ـ : اعوجاجكم.
     3. أضْرَعَ الله خُدُودَكم: أذلّ الله وجوهكم.
     4. وأتْعَسَ جُدُودَكم، أي: حط من حظوظكم. والتّعَسَ: الانحطاط والهلاك والعثار.
     5. السُّحْرة ـ بالضم ـ : السّحَر الاعلى من آخر الليل.
     6. مَلَكَتْني عَيْني: غلبني النوم.
     7. سنح لي رسول الله: مرّبي كما تسنح الظباء والطير.


( 130 )


[ 70 ]
ومن كلام له(عليه السلام)
في ذم أَهل العراق
[وفيها يوبّخهم على ترك القتال، والنصر يكاد يتمّ، ثم تكذيبهم له]


     أَمَّا بَعْدُ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَالْمَرْأَةِ الْحَامِلِ، حَمَلَتْ فَلَمَّا أَتَمَّتْ أَمْلَصَتْ(1)، وَمَاتَ قَيِّمُهَا(2)، وَطَالَ تَأَيُّمُهَا(3)، وَوَرِثَهَا أَبْعَدُهَا.
     أَمَا وَاللهِ مَا أَتَيْتُكُمُ اخْتِيَاراً، وَلكِنْ جَئْتُ إِلَيْكُمْ سَوْقاً، وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: [عَليٌّ ]يَكْذِبُ، قَاتَلَكُمُ اللهُ! فَعَلَى مَنْ أَكْذِبُ؟ أَعَلَى اللهِ؟ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِهِ! أَمْ عَلَى نَبِيِّهِ؟ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ! كَلاَّ وَاللهِ، ولكِنَّهَا لَهْجَةٌ غِبْتُمْ عَنْهَا، وَلَمْ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهَا، وَيْلُ امِّهِ(4)، كَيْلاً بِغَيْرِ ثَمَن! لَوْ كَانَ لَهُ وِعَاءٌ، (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِين).
    
____________
     1. أمْلَصَت: أسقطت، وألقت ولدها ميتاً.
     2. قَيّمها: زوجها.
     3. تأيُّمُها: خلُوّها من الازواج.
     4. ويْلُ امّهِ: كلمة استعظام تقال في مقام المدح وإن كان أصل وضعها لضده، ومثل ذلك معروف في لسانهم، يقولون للرجل يعظمونه ويقرظونه: «لا أبالك». في الحديث «فاظفر بذات الدين تربت يداك».


( 131 )


[ 71 ]
ومن خطبة له(عليه السلام)
علّم فيها الناس الصلاة على رسول الله(صلى الله عليه وآله)
[وفيها بيان صفات الله سبحانه وصفة النبي والدعاء له]
[صفات الله]


     اللَّهُمَّ دَاحَيَ الْمَدْحُوَّاتِ(1)، وَدَاعِمَ الْمَسْمُوكَاتِ(2)، وَجَابِلَ الْقُلُوبِ(3)عَلَى فِطْرَتِهَا(4): شَقِيِّهَا وَسَعِيدِهَا.
    
____________
     1. داحي المدحوات أي: باسط المبسوطات، وأراد منها الارَضين.
     2. داعم المَسْمُوكات: مقيمها وحافظها; والمسموكات: المرفوعات وهي السماوات وأصلها سَمَكَ بمعنى رَفَعَ.
     3. جابِل القُلوب: خالقها.
     4. الفِطرة: أول حالات المخلوق التي يكون عليها في بدء وجوده، وهي للانسان: حالته خالياً من الاراء والاهواء والديانات والعقائد.


( 132 )


[صفة النبي]


     اجْعَلْ شَرَائِفَ(1) صَلَوَاتِكَ، وَنَوَامِيَ(2) بَرَكَاتِكَ، عَلَى مُحَمَّد عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، الْخَاتمِ لِمَا سَبَقَ(3)، وَالْفَاتِحِ لِمَا انْغَلَقَ(4)، وَالْمُعْلِنِ الْحَقَّ بِالْحَقِّ، وَالدَّافِعِ جَيْشَاتِ الاَْباطِيلِ(5)، وَالدَّامِغِ صَوْلاَتِ الاَْضَالِيلِ(6)، كَمَا حُمِّلَ فَاضْطَلَعَ(7)، قَائِماً بِأَمْرِكَ، مُسْتَوْفِزاً(8) فِي
____________
     1. الشّرَائِف: جمع شريفة.
     2. النّوَامي: الزوائد.
     3. الخاتم لما سَبَقَ: أي لما تقدّمَهُ من النبوّات.
     4. الفاتح لما انْغَلَقَ: كانت أبواب القلوب قد أُغلقت بإقفال الضلال عن طوارق الهداية فافتتحها(صلى الله عليه وآله وسلم)بآيات نبوّته.
     5. جَيْشات الاباطيل: جمع باطل على غير قياس، كما أن الاضاليل جمع ضلال على غير قياس، وجَيْشاتها: جمع جَيْشة ـ بفتح فسكون ـ من جاشت القدر إذا ارتفع غليانها.
     6. الصّوْلات: جمع صَوْلة، وهي السطوة، والدامغ: من دمغه إذا شَجّهُ حتى بلغت الشجّةُ دماغَه.
     7. فاضْطَلَع: أي نهض بها قوياً. والضّلاعة: القوة.
     8. المُسْتَوْفِز: المسارع المستعجل.


( 133 )


مَرْضَاتِكَ، غَيْرَ نَاكِل(1) عَنْ قُدُم(2)، وَلاَ وَاه(3) فِي عَزْمِ، وَاعِياً لِوَحْيِكَ(4)، حَافِظاً لِعَهْدَكَ، مَاضِياً عَلَى نَفَاذِ أَمْرِكَ; حَتَّى أَوْرَى قَبَسَ الْقَابِسِ(5)، وَأَضَاءَ الطَّرِيقَ لِلْخَابِطِ(6)، وَهُدِيَتْ بِهِ الْقُلُوبُ بَعْدَ خَوْضَاتِ(7) الْفِتَنِ، وَأَقَامَ مُوضِحاتِ الاَْعْلاَمِ(8)، وَنَيِّرَاتِ الاَْحْكَامِ، فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ، وَخَازِنُ عِلْمِكَ الَْمخْزُونِ(9)، وَشَهِيدُكَ(10) يَوْمَ الدِّينِ، وَبَعِيثُكَ بِالْحَقِّ(11)، وَرَسُولُكَ إِلَى الْخَلْقِ.
____________
     1. الناكل: الناكص والمتأخّر، أي: غير جبان.
     2. القُدُم ـ بضمتين ـ : المشي إلى الحرب، ويقال: مضى قُدُماً أي: سار ولم يعرّج.
     3. الواهى: الضعيف.
     4. واعياً لِوَحْيك: أي حافظاً وفاهماً، وَعَيْت الحديث، إذا حفظته وفهمته.
     5. أوْرَى قَبَسَ القابِس: يقال: وَرَى الزّنْدُ كوعى ـ وَوَرِيَ كَوَلِيَ ـ يَرِي وَرْياً فهو وار: خرجت نارُه، وَأوْرَيْتُهُ ووَرّيْته واسْتَوْرَيْته. والقَبَس: شُعلةٌ من النار، والقابس الذي يطلب النار.
     6. الخابِط: الذي يسير ليلاً على غير جادّة واضحة، فإضاءة الطريق له جعلها مضيئة ظاهرة.
     7. الخوْضات: جمع خَوْضة، وهي المرّة من الخوض.
     8. الاعْلام: جمع عَلَم ـ بالتحريك ـ وهو ما يستدل به على الطريق كالمنار ونحوه.
     9. العِلْم المخزون: ما اختصّ الله به من شاء من عباده، ولم يُبح لغير أهل الحُظْوَة به أن يطلعوا عليه، وذلك مما لا يتعلق بالاحكام الشرعية.
     10. شهِيدك: شاهِدُك على الناس، كما قال الله تعالى: (فكيف إذا جئنا من كل أُمَّة بشهيد وجئنابك على هؤلاء شهيداً)
     11. بَعِيثك بالحق: أي مَبْعوثك، فهو فعيل بمعنى مفعول كجريح وطريح.


( 134 )


[الدعاء للنبي]


     اللَّهُمَّ افْسَحْ لَهُ مَفْسَحاً فِي ظِلِّكَ(1)، وَاجْزِهِ مُضَاعَفَاتِ الْخَيْرِ(2) مِنْ فَضْلِكَ.
     اللَّهُمَّ أَعْلِ عَلَى بِنَاءِ الْبَانِينَ بِنَاءَهُ، وَأَكْرِمْ لَدَيْكَ مَنْزِلَتَهُ، وَأَتْمِمْ لَهُ نُورَهُ، وَاجْزِهِ مِنَ ابْتِعَاثِكَ لَهُ مَقبُولَ الشَّهَادَةِ، مَرْضِيَّ المَقالَةِ، ذا مَنْطِق عَدْل، وخُطّة فَصْل.
     اللَّهُمَّ اجْمَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فِي بَرْدِ الْعَيشِ، وَقَرَارِ النِّعْمَةِ(3)، وَمُنَى الشَّهَوَاتِ(4)، وَأَهْوَاءِ اللَّذَّاتِ، وَرَخَاءِ الدَّعَةِ(5) وَمُنْتَهَى الْطُمَأْنِينَةِ، وَتُحَفِ الْكَرَامَةِ.(6)
    
____________
     1. افْسَحْ له: وَسّعْ له ما شئت أن توسع. «في ظلك» أي: إحسانك وبِرّك، فيكون الظل مجازاً.
     2. مُضَاعَفات الخير: أطواره ودرجاته. 3. قَرار النّعْمَةِ: مستقرّها حيث تدوم ولا تفنى.
     4. مُنى الشّهَوَات; مُنى: جمع مُنية ـ بالضم ـ وهي ما يتمناه الانسان لنفسه، والشهوات ما يشتهيه.
     5. رَخَاء الدّعَة; الرخاء من قولهم «رجل رَخِيّ البال» أي: واسع الحال. والدّعَة: سكون النفس واطمئنانها.
     6. تحف الكرامة; التحف: جمع تحفة، وهي مايكرم به الانسان من البّر واللطف.


( 135 )


[ 72 ]
ومن كلام له(عليه السلام)
قاله لمروان بن الحكم بالبصرة


     قالوا: أُخِذَ مروان بن الحكم أَسيراً يوم الجمل، فاستشفع(1) الحسن والحسين(عليهما السلام)إلى أَميرالمؤمنين(عليه السلام)، فكلّماه فيه، فخلّى سبيله، فقالا له: يبايعك يا أميرالمؤمنين؟ فقال:
     أَفَلَمْ يُبَايِعْنِي بَعْدَ قَتْلِ عُثْمانَ؟ لاَ حَاجَةَ لِي في بَيْعَتِهِ! إِنِّهَا كَفٌّ يَهُودِيَّةٌ(2)، لَوْ بَايَعَنِي بِيَدِهِ لَغَدَرَ بِسُبَّتِهِ(3).
     أَمَا إِنَّ لَهُ إِمْرَةً كَلَعْقَةِ الْكَلْبِ أَنْفَهُ، وَهُوَ أَبُو الاَْكُبُشِ الاَْرْبَعَةِ، وَسَتَلْقَى الاُْمَّة مِنْهُ وَمِنْ وَلَدِهِ يَوْمَاً أَحْمَرَ!
    
____________
     1. استشفعهما إليه: سألهما أن يشفعاله عنده. وليس من الجيد قولهم: استشفعت به.
     2. كفّ يهوديّة: أي غادرة ماكرة.
     3. السُّبّة ـ بالضم ـ : الاست، وهما مما يحرص الاِنسان على إخفائه، وكني به عن الغدر الخفي.


( 136 )


[ 73 ]
ومن كلام له(عليه السلام)
لمّا عزموا على بيعة عثمان


     لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّي أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِي، وَوَاللهِ لاَُسْلِمَنَّ مَاسَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِا جَوْرٌ إِلاَّ عَلَيَّ خَاصَّةً، الِْتمَاساً لاَِجْرِ ذلِكَ وَفَضْلِهِ، وَزُهْداً فِيَما تَنافَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ وَزِبْرِجِهِ(1).

[ 74 ]
ومن كلام له(عليه السلام)
لمّا بلغه اتهام بني أُميّة له بالمشاركة في دم عثمان


     أَوَلَمْ يَنْهَ بَنِي أُمَيَّةَ عِلْمُهَا بِي عَنْ قَرْفي(2)؟ أَوَمَا وَزَعَ الْجُهَّالُ سَابِقَتِي عَنْ تُهَمَتِي؟! وَلَمَا وَعَظَهُمُ اللهُ بِهِ أَبْلَغُ مِنْ لِسَاني.
     أَنَا حَجِيجُ الْمَارِقِينَ(3)، وَخَصِيمُ الْمُرْتَابِينَ، عَلَى كِتَابِ اللهِ تُعْرَضُ الاَْمْثالُ(4)، وَبِمَا فِي الصُّدُورِ تُجَازَى الْعِبَادُ!
    
____________
     1. زُخْرُفُه وزِبْرِجه; أصل الزخرف: الذهب وكذلك الزبرج ـ بكسرتين بينهما سكون ـ ثم أُطلق على كل مموّه مُزَوّر، وأغلب ما يقال الزّبْرِج على الزينة من وَشْي أوجوهر.
     2. قَرْفي; قَرَفَهُ قَرَفاً ـ بالفتح ـ : عابه، والاسم منه القَرْف بسكون الراء.
     3. حَجَيج المارقين: خَصيمهم، والمارقون: الخارجون من الدين.
     4. الامْثال: يراد بها هنا متشابهات الاعمال والحوادث، تعرض على القرآن، فما وافقه فهو الحق المشروع، وما خالفه فهو الباطل الممنوع، وهو(عليه السلام) قد جرى على حكم كتاب الله في أعماله، فليس للغامز عليه أن يشير إليه بمطعن، مادام ملتزماً لاحكام الكتاب.


( 137 )


[ 75 ]
ومن خطبة له(عليه السلام)
[في الحث على العمل الصالح]


     رَحِمَ اللهُ عَبْداً سَمِعَ حُكْماً(1) فَوَعَى(2)، وَدُعِيَ إِلَى رَشَاد فَدَنَا(3)، وَأَخَذَ بِحُجْزَةِ(4) هَاد فَنَجَا، رَاقَبَ رَبِّهُ، وَخَافَ ذَنْبَهُ، قَدَّمَ خَالِصاً، وَعَمِلَ صَالِحاً، اكْتَسَبَ مَذْخُوراً(5)، وَاجْتَنَبَ مَحْذُوراً، رَمَى غَرَضاً، وَأَحْرَزَ عِوَضاً، كابَرَ هَوَاهُ(6)، وَكَذَّبَ مُناهُ، جَعَلَ الصَّبْرَ مَطِيَّةَ نَجَاتِهِ، والتَّقْوَى عُدَّةَ وَفَاتِهِ، رَكِبَ الطَّرِيقَةَ الْغَرَّاءَ(7)، وَلَزِمَ الَْمحَجَّةَ(8) الْبَيْضَاءَ، اغْتَنَمَ الْمَهَلَ(9)، وَبَادَرَ الاَْجَلَ، وَتَزَوَّدَ مِنَ الْعَمَلِ.
____________
     1. الحُكْم ـ هنا ـ : الحِكْمة، قال الله تعال: (وآتيناه الحُكْمَ صبيّاً)
     2. وَعَى: حَفِظَ وفهم المراد.
     3. دنا: قرب من الرشاد الذي دعا اليه.
     4. الحُجْزَة ـ بالضم ـ : معقد الازار، والمراد الاقتداء والتمسك، يقال: أخذ فلان بِحُجْزَةِ فلان، إذا اعتصم به ولجأ إليه.
     5. اكتَسَبَ مَذْخوراً: كسب بالعمل الجليل ثواباً يذخره ويُعِدّهُ لوقت حاجته.
     6. كابَرَ هواه: غالبه، ويروى «كاثَرَ» بالمثلثة أي: غالبه بكثرة أفكاره الصائبة فغلبه.
     7. الغرّاء: النيّرة الواضحة.
     8. المَحَجّة: جادّة الطريق ومُعْظَمُه.
     9. المَهَل ـ هنا ـ : مدة الحياة مع العافية، فإنه أُمْهِلَ فيها دون أن يؤخذ بالموت أوتَحُلّ به بائقةُ العذاب.


( 138 )


[ 76 ]
ومن كلام له(عليه السلام)
[وذلك حين منعه سعيد بن العاص حقه]


     إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَيُفَوِّقُونَني تُرَاثَ مُحَمَّد تَفْوِيقاً، وَاللهِ لَئِنْ بَقِيتُ لُهُمْ لاََنْفُضَنَّهُمْ نَفْضَ اللَّحَّام الْوِذَامَ التَّرِبَةَ!

      ويروى: «التراب الوَذَمَة»، وهو على القلب(1).
           قوله(عليه السلام): «لَيُفَوّقونَني» أي: يعطونني من المال قليلاً قليلاً كفُواق الناقة، وهو الحلبة الواحدة من لبنها. والوِذَامُ: جمع وَذَمة، وهي: الحُزّة(2) من الكرش أوالكبد تقع في التراب فتنفض.

    

[ 77 ]
ومن كلمات له(عليه السلام) كان يدعوبها


     اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، فَإِنْ عُدْتُ فَعُدْ لي بِالْمَغْفِرَةِ.
     اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا وَأَيْتُ(3) مِنْ نَفْسِي، وَلَمْ تَجِدْ لَهُ وَفَاءً عِنْدي.
     اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا تَقَرَّبْتُ بِهِ إِلَيْكَ [بِلِسَاني]، ثُمَّ خَالَفَهُ قَلْبِي.
     اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي رَمَزَاتِ الاَْلْحَاظِ(4)، وَسَقَطَاتِ الاَْلْفَاظِ(5)، وَشَهَوَاتِ الْجَنَانِ(6)، وَهَفَوَاتِ اللِّسَانِ(7).
____________
     1. هو على القلب، المراد من هذه الرواية مقلوبها وعكسها.
     2. الحُزّة ـ بالضم ـ : القطعة، وفسر صاحب القاموس «الوَذَمَة» بمجموع المَعى والكَرْش.
     3. وَأيْتُ: وعدت. وَأى ـ كوَعَى ـ وَعَدَوَضَمِن.
     4. رَمَزَات الالحاظ: الاشارة بها، والالحاظ جمع لحظ، وهو باطن العين. أما اللحاظ ـ وهو مؤخّر العين ـ فلا نعرف له جمعاً إلاّ «لُحُظ» بضمتين.
     5. سَقَطات الالفاظ: لغوها. 6. شَهَوَات الجَنَان: القلب، واللب. وشهواته: ما يكون من ميل منه إلى غير الفضيلة.
     7. هَفَوَات اللّسان: زَلاّته.
    


( 139 )


[ 78 ]
ومن كلام له(عليه السلام)
لبعض أصحابه لمّا عزم على المسير إِلى الخوارج، فقال له: يا أميرالمؤمنين إن سرت في هذا الوقت، خشيتُ ألاَّ تظفر بمرادك، من طريق علم النجوم، فقال(عليه السلام):


     أَتَزْعَمُ أَنَّكَ تَهْدِي إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا صُرِفَ عَنْهُ السُّوءُ؟ وَتُخَوِّفُ مِنَ السَّاعَةِ الَّتي مَنْ سَارَ فِيهَا حَاقَ بِهِ الضُّرُّ؟(1) فَمَنْ صَدَّقَكَ بِهذَا فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْآنَ، وَاسْتَغْنَى عَنِ الاِسْتِعَانَةِ بِاللهِ عزّوجلّ فِي نَيْلِ الَْمحْبُوبِ وَدَفْعِ الْمَكْرُوهِ، وَتَبْتَغِي في قوْلِكَ لِلْعَامِلِ بِأَمْرِكَ أَنْ يُولِيَكَ الْحَمْدَ دُونَ رَبِّهِ، لاَِنَّكَ ـ بِزَعْمِكَ ـ أَنْتَ هَدَيْتَهُ إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي نَالَ فِيهَا النَّفْعَ، وَأَمِنَ الضُّرَّ!!
     ثم أقبل(عليه السلام) على الناس فقال:
     أَيُّهَا النَّاسُ، إِيَّاكُمْ وَتَعَلُّمَ النُّجُومِ، إِلاَّ مَا يُهْتَدَى بِهِ في بَرٍّ أَوْ بَحْر، فَإِنَّهَا تَدْعُو إِلَى الْكَهَانَةِ، [و]المُنَجَّمُ كَالْكَاهِنِ(2)، وَالْكَاهِنُ كَالسَّاحِرِ، وَالسَّاحِرُ كَالْكَافِرِ! وَالْكَافِرُ في النَّارِ! سِيرُوا عَلَى اسْمِ اللهِ.
    
____________
     1. حاقَ به الضرّ: أحاط به.
     2. الكاهن: من يدّعي كشف الغيب.


( 140 )


[ 79 ]
ومن كلام له(عليه السلام)
بعد فراغه من حرب الجمل، في ذم النساء


     مَعَاشِرَ النَّاسِ، إِنَّ النِّسَاءَ نَوَاقِصُ الاِْيمَانِ، نَوَاقِصُ الْحُظُوظِ، نَوَاقِصُ الْعُقُولِ: فَأَمَّا نُقْصَانُ إِيمَانِهِنَّ فَقُعُودُهُنَّ عَنِ الصَّلاةِ وَالصِّيَامِ فِي أَيَّامِ حَيْضِهِنَّ، وَأَمَّا نُقْصَانُ عُقُولِهِنَّ فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ مِنْهُنّ كَشَهَادَةِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ، وَأَمَّا نُقْصَانُ حُظُوظِهِنَّ فَمَوَارِيثُهُنَّ عَلَى الاَْنْصَافِ مِنْ مَوارِيثِ الرِّجَالِ; فَاتَّقُوا شِرَارَ النِّسَاءِ، وَكُونُوا مِنْ خِيَارِهِنَّ عَلَى حَذَر، وَلاَتُطِيعُوهُنَّ فِي المَعْرُوفِ حَتَّى لاَ يَطْمَعْنَ فِي المُنكَرِ.

[ 80 ]
ومن كلام له(عليه السلام)
[في الزهد]


     أَيُّهَا النَّاسُ، الزَّهَادَةُ قِصَرُ الاَْمَلِ، وَالشُّكْرُ عِنْدَ النِّعَمِ، والورعُ(1) عِنْدَ
____________
     1. الورع: الكف عن الشبهات خوف الوقوع في المحرّمات، يقال: ورع الرجل ـ من باب علم وقطع وكرم وحسب ـ وَرْعاً، مثل وَعْد، وَوَرَعاً ـ بفتحتين كطَلَب ـ ووُرُعاً أي جانَبَ الاثمَ.


( 141 )


الْـمَحَارِمِ، فَإِنْ عَزَبَ ذلِكَ عَنْكُمْ(1) فَلاَ يَغْلِبِ الْحَرَامُ صَبْرَكُمْ، وَلاَ تَنْسَوْا عِنْدَ النِّعَمِ شُكْرَكُمْ، فَقَدْ أَعْذَرَ(2) اللهُ إِلَيْكُمْ بِحُجَج مُسْفِرَة(3) ظَاهِرَة، وَكُتُب بَارِزَةِ الْعُذْرِ(4) وَاضِحَة.

[ 81 ]
ومن كلام له(عليه السلام)
في صفة الدنيا


     مَا أَصِفُ مِنْ دَار أَوَّلُهَا عَنَاءٌ(5)! وَآخِرُهَا فَنَاءٌ! فِي حَلاَلِهَا حِسَابٌ، وَفِي حَرَامِهَا عِقَابٌ. مَنِ اسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ، وَمَنِ افْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ، وَمَنْ سَاعَاهَا(6)فَاتَتْهُ، وَمَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَاتَتْهُ(7)، وَمَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ، وَمَنْ أَبْصَرَ إلَيْهَا أَعْمَتْهُ.

      وإذا تأمل المتأمل قوله(عليه السلام): «وَمَنْ أبْصَرَبِهَا بصّرَتْهُ» وجد تحته من المعنى العجيب، والغرض البعيد، ما لا تُبلغ غايته ولا يدرك غوره، لا سيما إذا قرن إليه قوله: «ومَن أبْصَرَ إليها أعْمَتْهُ»، فإنه يجد الفرق بين «أبصر بها» و«أبصر إليها» واضحاً نيراً عجيباً باهراً!

    
____________
     1. عَزَبَ عنكم ـ من باب ضَرَبَ ـ ودخل عُزوباً ـ بضمتين كدخول ـ أي: بعد عنكم.
     2. أعْذَرَ: بمعنى أنصف، وأصله مما همزته للسلب. فأعذرت فلاناً سلبت عذره أي: ما جعلت له عذراً يبديه لو خالف ما نصحته به.
     3. مُسْفِرَة: كاشفة عن نتائجها الصحيحة.
     4. بارِزَة العُذْر: ظاهرته.
     5. العناء: التعب.
     6. ساعاها: جاراها سعياً. 7. واتَتْهُ: طَاوَعَتْهُ.


( 142 )


[ 82 ]
ومن خطبة له(عليه السلام)
وهي من الخطب العجيبة تسمّى «الغراء»
[وفيها نعوت الله جل شأنه، ثمّ الوصية بتقواه، ثمّ التنفير من الدنيا، ثمّ ما يلحق من دخول القيامة، ثمّ تنبيه الخلق إلى ما هم فيه من الاعراض، ثمّ فضله(عليه السلام) في التذكير]


[صفته جلّ شأنه]


     الْحَمْدُ للهِ الَّذِي عَلاَ بِحَوْلِهِ(1)، ودَنَا بِطَوْلِهِ(2)، مَانِحِ كُلِّ غَنِيمَة وَفَضْل، وَكَاشِفِ كُلِّ عَظِيمَة وَأَزْل(3).
     أَحْمَدُهُ عَلَى عَوَاطِفِ كَرَمِهِ، وَسَوَابِغِ ـ نِعَمِهِ(4)، وَأُومِنُ بهَ أَوَّلاً بَادِياً(5)،
____________
     1. عَلاَ بحَوْلِه: عزّ وارتفع عن جميع ما سواه، لقوته المستعلية بسلطة الايجاد على كل قوّة.
     2. دَنا بِطَوْلِهِ: أي إنه مع علوّه سبحانه وارتفاعه في عظمته دنا وقَرُبَ من خلقه بطَوْله أي عطائه وإحسانه.
     3. الازْل ـ بالفتح ـ : الضيق والشدة.
     4. سوابِغ النّعَم: كوامِلُها، من سَبَغَ الظلّ: إذا عمّ وشَمِلَ.
     5. أوّلاً بادياً: أي سابقاً كلّ شيء من الوجود، ظاهراً بذَاتِهِ مُظْهراً لغيره.


( 143 )


وَأَسْتَهْدِيهِ قَرِيباً هَادِياً، وَأَسْتَعِينُهُ قَاهِراً قَادِراً، وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ كَافِياً نَاصِراً.
     وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً(صلى الله عليه وآله) عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ لاِنْفَاذِ أَمْرِهِ، وَإِنْهَاءِ عُذْرِهِ(1) وَتَقْدِيمِ نُذُرِهِ(2).

[الوصية بالتقوى]


     أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَى اللهِ الَّذِي ضَرَبَ لَكُمُ الاَْمْثَالَ(3)، وَوَقَّتَ لَكُمُ الاْجَالَ(4)، وَأَلْبَسَكُمُ الرِّيَاشَ(5)، وَأَرْفَغَ لَكُمُ المَعَاشَ(6)، وَأَحَاطَ بِكُمُ الاِْحْصَاءَ(7)، وَأَرْصَدَ لَكُمُ الْجَزَاءَ(8)، وَآثَرَكُمْ بِالنِّعَمِ السَّوَابغِ، وَالرِّفَدِ(9)
____________
     1. إنهاء عُذْرِه: إبلاغه، والعذر هنا كناية عن الحجج العقلية والنقلية التي أقيمت ببعثة النبي. 2. النُّذُر ـ جمع نذير ـ : الاخبار الالهية المنذرة بالعقاب على سوء الاعمال.
     3. ضرَبَ الامثال: جاء بها في الكلام لايضاح الحجج، وتقريرها في الاذهان.
     4. وَقّتَ الاجالَ: جعلها في أوقات محدودة لا متقدم عنها ولا متأخر.
     5. الرّياش: ما ظهر من اللباس.
     6. أرْفَغَ لكم المعاشَ: أي أوْسعَ، يقال: رَفَغَ عَيْشُهُ ـ بالضم ـ رَفَاغَةً، أي: اتّسعَ.
     7. أحاطكم بالاحصاء: أي جعل إحصاء أعمالكم والعلم بها عملاً كالسّور لا تنفذون منه ولا تتعدّونه.
     8. أرصد لكم الجزاءَ: أعدّه لكم فلا محيصَ عنه.
     9. الرِّفَد: جمع رفْدة ـ كَكِسرة ـ وهي العطية.


( 144 )


الرَّوافِغِ(1)، وَأَنْذَرَكُمْ بِالْحُجَجِ الْبَوَالِغِ(2)، فَأَحْصَاكُمْ عَدَداً، ووَظَّفَ لَكُمْ مُدَداً(3)، فِي قَرَارِ خِبْرَة(4)، وَدَارِ عِبْرَة، أَنْتُمْ مُخْتَبَرُونَ فِيهَا، وَمُحَاسِبُونَ عَلَيْهَا.

[التنفير من الدنيا]


     فَإِنَّ الدُّنْيَا رَنِقٌ(5) مَشْرَبُهَا، رَدِغٌ مَشْرَعُهَا(6)، يُونِقُ(7) مَنْظَرُهَا، وَيُوبِقُ(8)مَخْبَرُهَا، غُرُورٌ حَائِلٌ(9)، وَضَوْءٌ آفِلٌ(10)، وَظِلٌّ زائِلٌ،
____________
     1. الرّوَافِغ: الواسعة.
     2. الحجج البَوَالِغ: الظاهرة البيّنة.
     3. وَظّفَ لكم مُدَداً: أي قَدّرَ لكم، والمدد جمع مدّة، أي: عين لكم أزمنةً تَحْيَوْنَ فيها.
     4. في قرارِ خِبرة: أي في دار ابتلاء واختبار، وهي دار الدنيا.
     5. رَنِقٌ ـ كَفَرِح ـ : كَدِرٌ.
     6. رَدِغٌ: كثير الطين والوحل. والمَشرَع: مَوْرِد الشاربة للشرب.
     7. يُونِقُ: يُعْجِبُ.
     8. يُوبِقُ: يهلك. 9. حائِل: اسم فاعل من «حال» إذا تحوّل وانتقل.
     10. وَضَوْءٌ آفِلٌ: غائب لا يلبث أن يظهر حتى يغيب.


( 145 )


وَسِنَادٌ(1) مَائِلٌ، حَتَّى إِذَا أَنِسَ نَافِرُهَا، وَاطْمَأَنَّ نَاكِرُهَا(2)، قَمَصَتْ بِأَرْجُلِهَا(3)، وَقَنَصَتْ بِأَحْبُلِهَا(4)، وَأَقْصَدَتْ(5) بِأَسْهُمِهَا، وَأَعْلَقَتِ(6) الْمَرْءَ أَوْهَاقَ الْمَنِيَّةِ(7) قَائِدَةً لَهُ إِلى ضَنْكَ الْمَضْجَعِ(8)، وَوَحْشَةِ الْمَرْجِعِ، ومُعَايَنَةِ الْـمَحَلِّ(9)، وَثَوَابِ الْعَمَلِ(10)، وَكَذلِكَ الْخَلَفُ بِعَقْبِ السَّلَفِ(11)،
____________
     1. السِّنَاد ـ بالكسر ـ : ما يستند إليه، أودِعامة يُسْنَدُ بها السقف.
     2. اطمأنّ ناكرُها; ناكرها: اسم فاعل من «نَكِر الشيءَ» من باب علم ـ أي جَهِله فأنكره.
     3. قَمَصَ الفرس وغيره يقمص ـ من بابَي ضرب ونصر ـ قَمْصاً وقماصاً أي: استَنّ، وهو أن يرفع يَدَيْهِ ويطرحهما معاً.
     4. قَنَصَتْ بأحْبُلِها: اصطادت بشباكها وحبالها.
     5. أقْصَتْ: قَتَلَتْ مكانها من غير تأخير.
     6. أعْلَقَتْ به: رَبَطَتْ بعُنُقِهِ.
     7. أوْهاق المنِيّة: جمع وَهَق بالتحريك أوبفتح فسكون كما يقال نهرونهر، أي: حبال الموت.
     8. ضَنْك المضْجَع: ضيق المَرْقَد، والمراد القبر.
     9. مُعاينة المحَلِّ: مشاهدة مكانه من النعيم والجحيم.
     10. ثواب العَمَل: جزاؤه الاعمّ من شقاء وسعادة.
     11. الخلَفُ: المتأخرون. والسّلَف: المتقدمون. بِعَقْب ـ بباء الجر وسكون القاف ـ بمعنى بعد. وأصله جرى الفرس بعد جريه، يقال: لهذا الفرس عقب حسن.


( 146 )


لاَتُقْلِعُ الْمَنِيَّةُ اخْتِرَاماً(1)، وَلاَيَرْعَوِي الْبَاقُونَ(2) اجْتِرَاماً(3)، يَحْتَذُون مِثَالاً(4)، وَيَمْضُونَ أَرْسَالاً(5)، إِلَى غَايَةِ الانْتِهَاءِ، وَصَيُّورِ(6) الْفَنَاءِ.

[بعد الموت البعث]


     حَتَّى إِذَا تَصَرَّمَتِ الاُْمُورُ، وَتَقَضَّتِ الدُّهُورُ، وَأَزِفَ النُّشُورُ(7)، أَخْرَجَهُمْ مِنْ ضَرَائِحِ(8) الْقُبُورِ، وَأَوْكَارِ الطُّيُورِ، وَأَوْجِرَةِ(9) السِّبَاعِ، وَمَطَارِحِ الْمَهَالِكِ، سِرَاعاً إِلَى أَمْرِهِ، مُهْطِعِينَ(10) إِلَى مَعَادِهِ، رَعِيلاً صُمُوتاً(11)، قِيَاماً
____________
     1. لا تُقْلعُ المَنِيّةُ اخْتِراماً: أي لا تكفّ المنية عن اخترامها، أي استئصالها للاحياء.
     2. لا يرعوي الباقون: أي لا يرجعون ولا يكُفّون. 3. الاجترام: افتعال من الجرم، أي اقتراف السيئات.
     4. يَحْتَذونَ مِثالاً: أي يشاكلون بأعمالهم صور أعمال من سبقهم، ويقتدون بهم.
     5. يَمْضُون أرْسالاً: جمع رَسَل ـ بالتحريك ـ وهو القطيع من الابل والغنم والخيل.
     6. صَيّور الامر ـ كتنّور ـ : مصيره وما يؤول إليه.
     7. أزِفَ النّشُور: قرب البعث.
     8. الضرائح: جمع ضريح، وهو الشّقّ وسط القبر.
     9. الاوْجِرة: جمع وِجار ـ ككتاب وسحاب ـ وهو الحُجْر.
     10. مُهْطِعين: أي مسرعين إلى معاده، سبحانه، الذي وعد أن يعيدهم فيه.
     11. رَعيلاً صُموتاً; الرّعيل: القطعة من الخيل; شبههم في تلاحق بعضهم ببعض برعيل الخيل ـ أي الجملة القليلة منها ـ لان الاسراع لا يدع أحداً منهم ينفرد عن الاخر.


( 147 )


صُفُوفاً، يَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ(1)، وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، عَلَيْهِمْ لَبُوسُ الاسْتِكانَةِ(2)، وَضَرَعُ(3) الاسْتِسْلاَمِ وَالذِّلَّةِ، قَدْ ضَلَّتِ الْحِيَلُ، وانْقَطَعَ الاَْمَلُ، وَهَوَتِ الاَْفْئِدَةُ(4) كَاظِمَةً(5)، وَخَشَعَتِ الاَْصْوَاتُ مُهَيْنِمَةً(6)، وَأَلْجَمَ الْعَرَقُ(7)، وَعَظُمَ الشَّفَقُ(8)، وَأُرْعِدَتِ(9) الاَْسْمَاعُ لِزَبْرَةِ الدَّاعِي(10) إِلَى فَصْلِ
____________
     1. يَنْفُذُهُمُ البَصرُ: يجاوزهم، أي: يأتي عليهم ويحيط بهم، والمراد لا يَعْزُبُ واحد منهم عن بصر الله.
     2. لَبُوسُ الاسْتِكانةِ; اللّبُوس ـ بالفتح ـ : ما يلبس، والاستكانة: الخضوع.
     3. ضرَعَ ـ بالتحريك ـ : الوَهْن، والضعف، والخشوع. 4. هَوَتِ الافْئِدَة: خَلَتْ من المسرّة والامل من النجاة. 5. كاظِمة: ساكنة، كاتمة لما يزعجها من الفزع.
     6. مُهَيْنِمة: أي متخافية، والهيْنَمة الكلام الخفي.
     7. ألْجَمَ العَرَقُ: كثر حتى امتلات به الافواه لغزارته فمنعها من النطق، وكان كاللّجام.
     8. الشّفق ـ محركة ـ : الخوف.
     9. أُرْعِدَت: عَرَتْها الرعدة.
     10. زَبْرَة الدّاعي: صوته وصيحته، ولا يقال «زبرة» إلا إذا كان فيها زَجْر وانتهار، فانها واحدة الزبر أي الكلام الشديد.


( 148 )


الْخِطَابِ(1)، وَمُقَايَضَةِ الْجَزَاءِ(2)، وَنَكَالِ(3) الْعِقَابِ، وَنَوَالِ الثَّوَابِ.

[تنبيه الخلق]


     عِبَادٌ مَخْلُوقُونَ اقْتِدَاراً، وَمَرْبُوبُونَ اقْتِسَاراً(4)، وَمَقْبُوضُونَ احْتِضَاراً(5)، وَمُضَمَّنُونَ أَجْدَاثاً(6)، وَكَائِنُونَ رُفَاتاً(7)، وَمَبْعُوثُونَ أَفْرَاداً، وَمَدِينُون(8) جَزَاءً، وَمُمَيَّزُونَ حِسَاباً(9); قَدْ أُمْهِلُوا في طَلَبِ الْـمَخْرَجِ، وَهُدُوا سَبِيلَ
____________
     1. فَصْل الخِطاب: بتّ الحكومة بين الله وبين عباده في الموقف.
     2. مُقايَضَة الجزاء; المقايضة: المعاوضة، أي: مبادلة الجزاء الخير بالخير والشر بالشر.
     3. النكال: العذاب.
     4. مربوبون: مملوكون. والاقتسار: الغَلَبَة والقهر.
     5. أصل الاحتضار: حضور الملائكة لقبض الروح.
     6. الاجداث: جمع جَدَث ـ بفتحتين ـ وهو القبر، واجْتَدَثَ الرجلُ: اتخذ جَدَثاً، ويقال: جَدفَ ـ بالفاء ـ . و«مُضَمّنُونَ الاجداثَ» مجعولون في ضِمْنِها.
     7. الرّفات: الحُطام، ويقال رَفَتَهُ ـ كنصر وضرب ـ أي كسره ودَقّهُ أي: فتّه بيده كما يُفَت المَدَرُ والعظْمُ البالي.
     8. مَدِينون: أي مَجْزِيّون، والدّين: الجزاء، قال تعالى: (مالك يومِ الدّين) 9. مُمَيّزُون حساباً: كلّ يحاسب على عمله منفصلاً عمن سواه: (ولا تَزِرُ وازرةٌ وِزْرَأُخرى)


( 149 )


الْمَنْهَجِ(1)، وَعُمِّرُوا مَهَلَ الْمُسْتَعْتِبِ(2)، وَكُشِفَتْ عَنْهُمْ سُدَفُ الرِّيَبِ(3)، وَخُلُّوا لمِضْماَرِ الْجِيَادِ(4)، وَرَوِيَّةِ الارْتِيَادِ(5)، وَأَنَاةِ الْمُقْتَبِسِ الْمُرْتَادِ(6)، فِي مُدَّةِ الاَْجَلِ، وَمُضْطَرَبِ الْمَهَلِ(7).

[فضل التذكير]


     فَيَا لَهَا أَمْثَالاً صَائِبَةً(8)، وَمَوَاعِظَ شَافِيَةً، لَوْ صَادَفَتْ قُلُوباً زاكِيَةً، وَأَسْمَاعاً وَاعِيَةً، وَآرَاءً عَازِمَةً، وَأَلْبَاباً حَازِمَةً!
    
____________
     1. المنهج: الطريقة الواضحة التي دلت عليها الشريعة المطهرة.
     2. وَعُمّرُوا مَهَلَ المُسْتَعْتِب; المُسْتَعْتِب: المسترضي، أي: أُتوا من العمر مُهْلَة مَنْ ينالُ الرضى لو أحسن العمل.
     3. سُدَفَ الرّيَب; السّدَف: جمع سَدْفة ـ بالفتح ـ وهي الظلمة; والرّيَب: جمع رِيبة وهي الشبهة وإبهام الامر.
     4. خُلّوا لمضمار الجيِاد; خُلّوا: تُرِكوا في مجال يتسابقون فيه إلى الخيرات. والجيادمن الخيل: كرامها. والمضمار: المكان الذي تضمّرُ فيه الخيل، والمدة التي تضمر فيها أيضاً.
     5. رَوِيّة الارْتِياد: إعمال الفكر في الامر ليأتي على أسلموجوهه، والارتياد هنا: طلب مايراد.
     6. وأناة المُقْتَبِس المُرْتاد; الاناة: الانتظار والتؤدة، والمقتبس: المرتاد، أي: الذي أخذ بيده مصباحاً ليرتاد في ضوئه شيئاً غاب عنه.
     7. المضطَرب: مدّة الاضطراب. أي: الحركة في العمل.
     8. صائبة: غير عادلة عن الصواب.


( 150 )


فَاتَّقُوا اللهَ تَقِيَّةَ مَنْ سَمِعَ فَخَشَعَ، وَاقْتَرَفَ(1) فَاعْتَرَفَ، وَوَجِلَ(2) فَعَمِلَ، وَحَاذَرَ فَبَادَرَ(3)، وَأَيْقَنَ فَأَحْسَنَ، وَعُبِّرَ فَاعْتَبَرَ(4)، وَحُذِّرَ [فَحَذِرَ، وَزُجِرَ ]فَازْدَجَرَ(5)، وَأَجَابَ فأَنَابَ(6)، وَرَاجَعَ فَتَابَ، وَاقْتَدَى فَاحْتَذَى(7)، وَأُرِيَ فَرَأَى، فَأَسْرَعَ طَالِباً، وَنَجَا هَارِباً، فَأَفَادَ ذَخِيرَةً(8)، وَأَطَابَ سَرِيرَةً، وَعَمَّرَ مَعَاداً، وَاسْتَظْهَرَ زَاداً(9) لِيَوْمِ رَحِيلِهِ وَوَجْهِ سَبِيلِهِ(10)، وَحَالِ حَاجَتِهِ،
____________
     1. اقترف: اكتسب، ومثله «قرف يقرف لعياله» أي: كسب يكسب، وفي التنزيل: (وَليَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُون)
     2. وَجِلَ: خافَ.
     3. بادر: سارع.
     4. عُبّرَ فاعْتَبَرَ; عُبّر ـ مبني للمجهول مشدد الباء ـ : أي عرضت عليه العِبرُ مراراً كثيرة، فاعتبر، أي اتعظ.
     5. ازدجر: أي امتنع عن الشيء وانتهى.
     6. أناب الى الله: رجع إليه.
     7. احتذى: شاكَلَ بين عمله وعمل مقتداه، أي: أحسنَ القُدْوَةَ.
     8. أفاد الذخيرة: استفادها واقتناها وهو من الاضداد.
     9. اسْتَظْهَرَ زاداً: حمل زاداً حمّله ظَهْرَ راحلته إلى الاخرة، والكلام تمثيل.
     10. وَجْهُ السبيل: المقصد الذي يُرْكبُ السبيل لاجله.


( 151 )


وَمَوْطِنِ فَاقَتِهِ، وَقَدَّمَ أَمَامَهُ لِدَارِ مُقَامِهِ.
     فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ جِهَةَ مَا خَلَقَكُمْ لَهُ، وَاحْذَرُوا مِنْهُ كُنْهَ مَا حَذَّرَكُمْ مِنْ نَفْسِهِ، وَاسْتَحِقُّوا مِنْهُ مَا أَعَدَّ لَكُمْ بِالتَّنَجُّزِ(1) لِصِدْقِ مِيعَادِهِ، وَالْحَذَرِ مِنْ هَوْلِ مَعَادِهِ.

منها: [في التذكير بضروب النعم]


     جَعَلَ لَكُمْ أسْمَاعاً لِتَعِيَ مَا عَنَاهَا(2)، وَأَبْصَاراً لِتَجْلُوَ(3) عَنْ عَشَاهَا(4)، وَأَشْلاَءً(5) جَامِعَةً لاَِعْضَائِهَا، مُلاَئِمَةً لاَِحْنَائِهَا(6) في تَرْكِيبِ صُوَرِهَا، وَمُدَدِ عُمُرِهَا، بِأَبْدَان قَائِمَة بِأَرْفَاقِهَا(7)، وَقُلُوب رائِدَة(8) لاَِرْزَاقِهَا، فِي
____________
     1. تَنَجّزُ الوَعْدِ: طلب وفائه على عجل.
     2. تعي ما عناها: تحفظ ما أهمّها.
     3. تجلو: تكشف.
     4. العَشَا: مقصور، مصدر من عَشِيَ فهو عَش إذا أبصر نهاراً ولم يبصر ليلاً.
     5. الاشْلاء: جمع شِلْو وهو العضو.
     6. الاحْناء ـ جمع حِنْو بالكسر ـ وهو كل ما اعوجّ من البدن، ومُلاءمة الاعضاء لها: تناسبها معها.
     7. الارْفاق: جمع رِفّق ـ بالكسر ـ : المنفعة، أوما يستعان به عليها.
     8. رائدة: طالبة.


( 152 )


مُجَلِّلاَتِ(1)نِعَمِهِ، وَمُوجِبَاتِ مِنَنِهِ، وَحَوَاجِزِ(2) عَافِيَتِهِ. وَقَدَّرَ لَكُمْ أَعْمَاراً سَتَرَهَا عَنْكُمْ، وَخَلَّفَ لَكُمْ عِبَراً مِنْ آثَارِ الْمَاضِينَ قَبْلَكُمْ، مِنْ مُسْتَمْتَعِ خَلاَقِهِمْ(3)، وَمُسْتَفْسَحِ خَنَاقِهِمْ(4).
     أَرْهَقَتْهُمُ(5) الْمَنَايَا دُونَ الاْمَالِ، وَشَذَّبَهمْ عَنْهَا(6) تَخَرُّمُ الاْجَالِ(7)، لَمْ يَمْهَدُوا فِي سَلاَمَةِ الاَْبْدَانِ(8)، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا فِي أُنُفِ(9) الاَْوَانِ.
     فَهَلْ يَنْتَظِرُ أَهْلُ بَضَاضَةِ(10) الشَّبَابِ إِلاَّ حَوَانِيَ الْهَرَمِ؟ وَأَهْلُ
____________
     1. مُجَلِّلات على صيغة اسم الفاعل: من «جلّله» بمعنى غطّاه، أي: غامرات نعمه. يقولون: سحاب مجلّلٌ، أي يطبق الارض. 2. حواجز: موانع.
     3. الخلاق: النصيب الوافر من الخير.
     4. الخَنَاق: ـ بالفتح ـ : حبل يخنق به.
     5. أرهقتهم: أعجلتهم.
     6. شَذّبَهُمْ عنها: قَطّعَهُمْ وَمزّقهم من تشذيب الشجرة وهو تقشيرها.
     7. تَخَرّمُ الاجل: استئصاله واقتطاعه.
     8. لم يَمْهَدوا في سلامةِ الابدان: أي لم يمهدوا لانفسهم بإصلاحها.
     9. أُنُف ـ بضمتين ـ يقال: أمر أُنُف، أي مُسْتأنَف لم يَسْبِقْ به قَدَرٌ.
     10. البَضَاضَة: رخص الجلد ورقته وامتلاؤه.


( 153 )


غَضَارَةِ(1)الصِّحَّةِ إِلاَّ نَوَازِلَ السَّقَمِ؟ وَأَهْلُ مُدَّةِ الْبَقَاءِ إِلاَّ آوِنَةَ الْفَنَاءِ؟ مَعَ قُرْبِ الزِّيَالِ(2)، وَأُزُوفِ(3) الانتِقَالِ، وَعَلَزِ(4) الْقَلَقِ، وَأَلَمِ الْمَضَضِ(5)، وَغُصَصِ الْجَرَضِ(6)، وَتَلَفُّتِ الاِسْتِغَاثَةِ بِنُصْرَةِ الْحَفَدَةِ وَالاَْقْرِبَاءِ، وَالاَْعِزَّةِ وَالْقُرَنَاءِ!
     فَهَلْ دَفَعَتِ الاَْقَارَبُ، أَوْ نَفَعَتِ النَّوَاحِبُ؟(7) وَقَدْ غُودِرَ(8) فِي مَحَلَّةِ الاَْمُوَاتِ رَهِيناً(9)، وَفِي ضِيقِ الْمَضْجَعِ وَحِيداً، قَدْ هَتَكَتِ الْهَوَامُّ جِلْدَتَهُ(10)، وَأَبْلَتِ النَّوَاهِكُ(11) جِدَّتَهُ، وَعَفَتِ(12) الْعَوَاصِفُ آثَارَهُ، وَمَحَا
____________
     1. الغَضَارَة: النعمة والسعة والخصب. 2. الزِّيال: مصدر زَايَلَهُ مُزايَلَةً وزِيالاً: أي فَارَقَهُ.
     3. الازُوف: الدنوّ والقرب.
     4. العَلَز: قلق وحفة وهلع يصيب المريض والمُحْتَضر.
     5. المَضَض: بلوغ الحزن من القلب.
     6. الجَرَض: الريق.
     7. النّوَاحِب: جمع ناحبة، وهي الرافعة صوتها بالبكاء.
     8. غُودِرَ: تُرِك وبقي.
     9. رَهيناً: حَبِيساً.
     10. هَتَكَتِ الهَوَامّ جِلْدَتَه: جذبت جلدته فقطعتها، والهوامّ: الحيّات وكل ذي سم يقتل.
     11. النّواهِك: جمع ناهِكة وهي ما يُنْهِكُ البدنَ: أي يُبْليه.
     12. عَفَت: دَرَسَتْ.


( 154 )


الْحَدَثَانُ مَعَالِمَهُ(1)، وَصَارَتِ الاَْجْسَادُ شَحِبَةً(2) بَعْدَ بَضَّتِهَا(3)، وَالْعِظَامُ نَخِرَةً(4) بَعْدَ قُوَّتِهَا، وَالاَْرْوَاحُ مُرْتَهَنَةً بِثِقَلِ أَعْبَائِهَا(5) مُوقِنَةً بَغَيْبِ أَنْبَائِهَا، لاَ تُسْتَزَادُ مِنْ صَالِحِ عَمَلِهَا، وَلاَ تُسْتَعْتَبُ(6) مِنْ سَيِّىءِ زَلَلِهَا(7)!
     أَوَلَسْتُمْ أَبْنَاءَ الْقَوْمِ وَالابَاءَ، وَإِخْوَانَهُمْ وَالاَْقْرِبَاءَ؟ تَحْتَذُونَ أَمْثِلَتَهُمْ،
____________
     1. الحدَثانُ: مصدر يدل على الاضطراب بمعنى ما يحدث. والمعالم: جمع مَعْلَم، وهو ما يستدل به.
     2. الشَّحِبَةُ ـ بفتح الشين ـ أي: الهالكة.
     3. البَضّة ـ هنا ـ : الواحدة من البضّ وهو: مصدر بَضّ الماءُ إذا ترشّحَ قليلاً قليلاً، أي بعد امتلائها حتى كأن الماء يترشح منها.
     4. نَخِرة: بالية.
     5. الاعْباء: الاثقال، جمع عِبْء، أي: حِمْل.
     6. ولا تُسْتَعْتَبُ ـ مبني للمفعول ـ : أي لا يُطْلَبُ منها تقديم العُتْبى، أي: التوبة عن العمل القبيح، أومبني للفاعل، أي لا يمكنها أن تطلب الرضى والاقامة من خطئها السيّىء.
     7. زللها: خطئها، وأصله انزلاق القدم.


( 155 )


وَتَرْكَبُونَ قِدَّتَهُمْ(1)، وَتَطَؤُونَ جَادَّتَهُمْ(2)؟! فَالْقُلُوبُ قَاسِيَةٌ عَنْ حَظِّهَا، لاَهِيَةٌ عَنْ رُشْدِهَا، سَالِكَةٌ في غَيْرِ مِضْمارِهَا! كَأَنَّ الْمَعْنِيَّ(3) سِوَاهَا، وَكَأَنَّ الرُّشْدَ في إحْرَازِ دُنْيَاهَا.

[التحذير من هول الصراط]


     وَاعْلَمُوا أَنَّ مَجَازَكُمْ(4) عَلَى الصِّراطِ وَمَزَالِقِ دَحْضِهِ(5)، وَأَهَاوِيلِ زَلَلِهِ، وَتَارَاتِ(6) أَهْوَالِهِ; فَاتَّقُوا اللهَ تَقِيَّةَ ذِي لُبٍّ شَغَلَ التَّفَكُّرُ قَلْبَهُ، وَأَنْصَبَ الْخَوْفُ بَدَنَهُ(7)، وَأَسْهَرَ التَّهَجُّدُ غِرَارَ نَوْمِهِ(8)، وَأَظْمَأَ الرَّجَاءُ هَوَاجِرَ(9)
____________
     1. القِدّة ـ بكسر فتشديد ـ : الطريقة.
     2. تَطَأونَ جَادّتَهُم: تسيرون على سبيلهم بلا انحرف عنهم في شيء.
     3. كأنّ المَعْنيّ: أي المقصود بالتكاليف الشرعية.
     4. مجازكم: مصدر ميمي من جاز يجوز، أي قطع المكان واجتازه.
     5. مَزالِق دَحْضِه; الدّحْض: هو انقلاب الرِّجْل بغتةً فيسقط المارّ، والمزالق: مواضع الزّلل والانزلاق.
     6. التارات: النّوَبُ والدّفَعَات.
     7. أنْصَبَ الخوْفُ بَدَنَهُ: أتعبه.
     8. أسْهَرَ التّهَجّدُ غِرارَ نومه; الغِرار بالكسر: القليل من النوم وغيره و«أسهره التهجد» أي: أزال قيامُ الليل نومَهُ القليل، فأذهبه بالمرة.
     9. الهَواجر: جمع هاجرة، وهي نصف النهار عند اشتداد الحر.


( 156 )


يَوْمِهِ، وَظَلَفَ الزُّهْدُ شَهَوَاتِهِ(1)، وَأَوْجَفَ الذِّكْرُ بِلِسَانِهِ(2)، وَقَدَّمَ الْخَوْفَ لاَِمَانِهِ، وَتَنَكَّبَ(3) الَْمخَالِجَ(4) عَنْ وَضَحِ(5) السَّبِيلِ، وَسَلَكَ أَقْصَدَ المَسَالِكَ(6) إِلَى النَّهْجِ الْمَطْلُوبِ; وَلَمْ تَفْتِلْهُ(7) فَاتِلاَتُ الْغُرُورِ، وَلَمْ تَعْمَ عَلَيْهِ(8) مُشْتَبِهَاتُ الاُْمُورِ، ظَافِراً بِفَرْحَةِ الْبُشْرَى، وَرَاحَةِ النُّعْمَى(9)، في أَنْعَمِ نَوْمِهِ، وَآمَنِ يَوْمِهِ. قَدْ عَبَرَ مَعْبَرَ الْعَاجِلَةِ(10) حَمِيداً، وَقَدَّمَ زَادَ الاْجِلَةِ
____________
     1. ظَلَفَ الزّهْدُ شَهَوَاتِه، أي: منعها.
     2. أوْجَفَ الذّكْرُ بِلسانه: أي أسرع، كأن الذكر لشدة تحريكه اللسان مُوجِفٌ به كما تُوجِفُ الناقةُ براكبها.
     3. تَنَكّبَ الشيءَ: مال عَنْه. 4. المخَالج: الامور المختلجة الجاذبة.
     5. الوَضَح ـ محركة ـ : الجادّة.
     6. أقْصَد المسالك: أقْوَمُها.
     7. لم تَفْتِلْه: لم تردّه ولم تَصرِفْه.
     8. لم تَعْمَ عليه: من عمي يعمى، أي: لم تَخْفَ عليه الامورُ المشتبهة.
     9. النِعْمى ـ بالضم ـ : سعة العيش ونعيمه.
     10. العاجِلة: الدنيا، وسميت مَعْبَراً لانها طريق يُعْبَرُ منها إلى الاخرة، وهي الاجلة.


( 157 )


سَعِيداً، وَبَادَرَ مِنْ وَجَل(1)، وَأَكْمَشَ(2) فِي مَهَل، وَرَغِبَ فِي طَلَب، وَذَهَبَ عَنْ هَرَب، وَرَاقَبَ فِي يَوْمِهِ غَدَهُ، وَنَظَرَ قُدُماً أَمَامَهُ(3).
     فَكَفَى بِالْجَنَّةِ ثَوَاباً وَنَوَالاً، وَكَفى بَالنَّارِ عِقَاباً وَوَبَالاً! وَكَفَى بِاللهِ مُنْتَقِماً وَنَصِيراً! وَكَفَى بِالكِتَابِ حَجيجاً وَخَصِيماً(4)!

[الوصية بالتقوى]


     أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ الَّذِي أَعْذَرَ بِمَا أَنْذَرَ، وَاحْتَجَّ بِمَا نَهَجَ، وَحَذَّرَكُمْ عَدُوّاً نَفَذَ فِي الصُّدُورِ خَفِيّاً، وَنَفَثَ فِي الاذَانِ نَجِيّاً(5)، فَأَضَلَّ وَأَرْدَى، وَوَعَدَ فَمَنَّى(6)، وَزَيَّنَ سَيِّئَاتِ الْجَرَائِمِ، وَهَوَّنَ مُوبِقَاتِ الْعَظَائمِ، حَتَّى إِذَا اسْتَدْرَجَ قَرِينَتَهُ(7)، وَاستَغْلَقَ رَهِينَتَهُ(8)، أَنْكَرَ مَا زَيَّنَ(9)، وَاسْتَعْظَمَ مَا هَوَّنَ، وَحَذَّرَ مَا أَمَّنَ.
____________
     1. بَادَرَ من وَجَل: أي سبق إلى خير الاعمال خوفاً من لقاء الاهوال.
     2. أكْمَشَ: أسرع، ومثله انكمش، وكَمّشْتُهُ تكميشاً: أعْجَلْتُهُ، والمراد جِدّ السير في مُهْلة الحياة.
     3. القُدُم ـ بضمتين ـ : المضيّ إلى أمام، أي مضى متقدماً.
     4. حَجِيجاً وخصيماً: أي مُقْنِعاً لمن خالفه بأنه قد جلب الهلاكَ على نفسه.
     5. النّجِيّ: من تحادثه سراً.
     6. وَعَدَ فَمَنّى: أي صَوّر الاماني كذباً.
     7. اسْتَدْرَج قرينَتَه; القرينة: النفس التي يقارنها الشيطان بالوسوسة. واستدرجها: أنزلها من درجة الرّشد إلى درجته من الضلالة.
     8. اسْتَغْلَق رَهينتَه: جعله بحيث لا يمكن تخليصه.
     9. أنْكَرَ ما زَيّنَ: تبرأ الشيطان ممن أغواه.


( 158 )


منها: في صفة خلق الانسان


     أَمْ هذَا الَّذِي أَنْشَأَهُ فِي ظُلُمَاتِ الاَْرْحَامِ، وَشُغُفِ الاَْسْتَارِ(1)، نُطْفَةً دِفاقاً، وَعَلَقَةً مِحَاقاً(2)، وَجَنِيناً(3) وَرَاضِعاً، وَوَلِيداً وَيَافِعاً(4).
     ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حَافِظاً، وَلِساناً لاَفِظاً، وَبَصَراً لاَحِظاً، لِيَفْهَمَ مُعْتَبِراً، وَيُقَصِّرَ مُزْدَجِراً; حَتَّى إِذَا قَامَ اعْتِدَالُهُ، وَاسْتَوَى مِثالُهُ(5)، نَفَرَ مُسْتَكْبِراً، وَخَبَطَ سَادِراً(6)، مَاتِحاً(7) فِي غَرْبِ هَوَاهُ، كَادِحاً(8) سَعْياً لِدُنْيَاهُ، فِي
____________
     1. شُغُف الاسْتَار: جمع شَغاف ـ مثل سَحاب وسُحُب ـ وهو في الاصل غِلاف القلب، استعارة لِلْمَشِيمَةِ.
     2. عَلَقَةً مِحَاقاً: أي خَفِيَ فيها ومُحِقَ كلّ شكل وصورة.
     3. الجَنين: الولد بعد تصويره مادام في بطن أُمه.
     4. اليافع: الغلام رَاهَقَ العشرين.
     5. استوى مثالُه: أي بلغت قامته حدّ ما قُدّرَ لها من النماء.
     6. خَبَطَ سادِراً; خَبَطَ البعيرُ: إذا ضرب بيديه الارض لا يَتَوَقّى شيئاً، والسادر: المتحيّر والذي لا يهتم ولا يبالي ما صنع.
     7. مَتَحَ الماءَ: نزعه وهو في أعلى البئر; والماتح: الذي ينزل البئر إذا قلّ ماؤها فيملا الدلو. والغَرْبُ: الدّلْوُ العظيمة.
     8. الكَدْح: شدة السعي.


( 159 )


لَذَّاتِ طَرَبِهِ، وَبَدَوَاتِ(1) أَرَبِهِ; لاَ يَحْتَسِبُ رَزِيَّةً(2)، وَلاَ يَخْشَعُ تَقِيَّةً(3); فَمَاتَ فِي فِتْنَتِهِ غَرِيراً(4)، وَعَاشَ فِي هَفْوَتِهِ(5) أسيراً، لَمْ يُفِدْ(6) عِوَضاً، وَلَمْ يَقْضِ مُفْتَرَضاً.
     دَهِمَتْهُ(7) فَجَعَاتُ الْمَنِيَّةِ فِي غُبَّرِ جِمَاحِهِ(8)، وَسَنَنِ(9) مِرَاحِهِ، فَظَلَّ
____________
     1. بَدَوَاتُ رَأيِهِ: جمع بَدْأة وهي ما بدا من الرأي، أي ذاهباً فيما يبدوله من رغائبه.
     2. لا يَحْتَسِبُ رَزِيّة: أي لا يظنها، ولا يفكر في وقوعها.
     3. لا يخشع من التّقِيّة: أي الخوف من الله تعالى.
     4. غَريراً ـ برَائَيْنِ مهملتين ـ : أي مغروراً.
     5. عاش في هَفْوَته: عاش في أخطائه وخطيئاته الناشئة عن الخطأ في تقدير العواقب.
     6. لم يُفِدْ: أي لم يستفد ثواباً ولم يكتسب.
     7. دَهِمته: غَشِيَتْهُ.
     8. غُبّر جماحه: بقايا تَعَنّته على الحق.
     9. السَّنن ـ بفتح السين ـ : الطريقة.


( 160 )


سَادِراً(1)، وَبَاتَ سَاهِراً فِي غَمَرَاتِ الاْلاَمِ، وَطَوَارِقِ الاَْوْجَاعِ والاَْسْقَامِ، بَيْنَ أَخ شَقِيق، وَوَالِد شَفِيق، وَدَاعِيَة بِالْوَيْلِ جَزَعاً، وَلاَدِمَة(2) لِلصَّدْرِ قَلَقاً.
     وَالْمَرءُ فِي سَكْرَة مُلْهِية، وَغَمْرَة كَارِثَة(3)، وَأَنَّة(4) مُوجِعَة، وَجَذْبَة مُكْرِبَة(5) وَسَوْقَة(6) مُتْعِبَة.
     ثُمَّ أُدْرِجَ فِي أَكْفَانِهِ مُبْلِساً(7)، وَجُذِبَ مُنْقَاداً سَلِساً(8)، ثُمَّ أُلْقِيَ عَلَى الاَْعَوادِ رَجِيعَ وَصِب(9)، وَنِضْوَ(10) سَقَم، تَحْمِلُهُ حَفَدَةُ(11) الْوِلْدَانِ،
____________
     1. ظلّ سادراً: أي حائراً.
     2. اللادِمة: الضاربة.
     3. الغَمْرة: الشدة تحيط بالعقل والحواس، والكارثة: القاطعة للامال.
     4. الانّة ـ بفتح فتشديد ـ : الواحدة من الانّ أي التوجّع.
     5. جَذْبَة مُكْرِبة: أي جذبات الانفاس عند الاحتضار. 6. السوقة من ساق المريض: نفسه عند الموت سوقاً وسياقاً; وسيق ـ على المجهول ـ أسرع في نزع الروح.
     7. أبْلَس يُبْلِسُ: يئس، فهو مُبْلِس.
     8. سَلِساً: أي سهلاً لعدم قدرته على الممانعة.
     9. الرّجيع من الدواب: ما رجع به من سفر الى سفر فَكَلّ; والوَصَب: التعب.
     10. نِضو ـ بكسر النون ـ : مهزول.
     11. الحفدة ـ هنا ـ الاعوان.


( 161 )


وَحَشَدَةُ(1) الاِْخْوَانِ، إِلَى دَارِ غُرْبَتِهِ، وَمُنْقَطَعِ زَوْرَتِهِ(2); حَتَّى إِذَا انْصَرَفَ الْمُشَيِّعُ، وَرَجَعَ الْمُتَفَجِّعُ أُقْعِدَ فِي حُفْرَتِهِ نَجِيّاً لِبَهْتَةِ السُّؤَالِ(3)، وَعَثْرَةِ(4) الامْتِحَانِ.
     وَأَعْظَمُ مَاهُنَالِكَ بَلِيَّةً نُزُلُ الْحَمِيم(5)، وَتَصْلِيَةُ الْجَحِيمِ(6)، وَفَوْرَاتُ السَّعِيرِ، وَسَوْراتُ(7) السَّعِيرِ، لاَ فَتْرَةٌ(8) مُرِيحَةٌ، وَلاَ دَعَةٌ مُزِيحَةٌ(9)، وَلاَ
____________
     1. الحشَدَة: المسارعون في التعاون. 2. مُنْقَطَع الزّوْرَة: حيث لا يُزَارُ.
     3. بَهْتَةُ السؤال: حَيْرَتُهُ.
     4. العثرة: السّقْطة.
     5. الحمِيم ـ في الاصل ـ : الماء الحار.
     6. التصلية: الاحراق. والمراد هنا دخول جهنم.
     7. السّوْرة: الشدّة.
     8. الفَتْرة: السكون; أي لا يَفْتُرُ العذاب حتى يستريح المعذّب من الالم.
     9. دَعَة: راحة; مُزيحة: تزيح ما أصابه من التعب.


( 162 )


قُوَّةٌ حَاجِزَةٌ، وَلاَ مَوْتَةٌ نَاجِزَةٌ(1)، وَلاَ سِنَةٌ(2) مُسَلِّيَةٌ، بَيْنَ أَطْوَارِ الْمَوْتَاتِ(3)، وَعَذَابِ السَّاعَاتِ! إنّا للهِ وَإنّا إليهِ راجعُونَ! إِنَّا بِاللهِ عَائِذُونَ!
     عِبَادَ اللهِ، [أَيْنَ] الَّذِينَ عُمِّرُوا فَنَعِمُوا(4)، وَعُلِّمُوا فَفَهِمُوا، وَأُنْظِرُوا فَلَهَوْا، وَسُلِّمُوا فَنَسُوا؟ أُمْهِلُوا طَوِيلاً، وَمُنِحُوا جَميِلاً، وَحُذِّرُوا ألِيماً، وَوُعِدُوا جَسِيماً! احْذَرُوا الذُّنُوبَ الْمُوَرِّطَةَ(5)، وَالْعُيُوبَ الْمُسْخِطَةَ.
     أُولِي الاَْبْصَارِ والاَْسْمَاعِ، وَالْعَافِيَةِ وَالمَتَاعِ، هَلْ مِنْ مَنَاص(6) أَوْ خَلاَص، أَوْ مَعَاذ أَوْ مَلاَذ، أَوْ فِرَار أَوْ مجاز أوْ مَحَار(7)! أَمْ لاَ؟ (فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)(8)! أَمْ أَيْنَ تُصْرَفُونَ! أَمْ بِمَاذَا تَغْتَرُّونَ؟ وَإِنَّمَا حَظُّ أَحَدِكُمْ مِنَ
____________
     1. ناجزة: حاضرة.
     2. السِّنَة ـ بالكسر والتخفيف ـ : أوائل النوم.
     3. أطوار المَوْتات: كلّ نَوْبة من نُوَب العذاب، كأنها موت لشدّتها. وأطوار هذه الموتات: ألوانها، وأنواعها.
     4. عُمّرُوا فَنَعِمُوا: عاشوا فتنعموا.
     5. المُوَرّطة: المُهلكة.
     6. مَنَاص: ملجأ ومفرّ.
     7. مَحَار: أي مرجع الى الدنيا بعد فراقها.
     8. تُؤفَكُون: تُقْلَبُون، أي تنقلبون.


( 163 )


الاَْرْضِ، ذَاتِ الطُّولِ وَالْعَرْضِ، قِيدُ قَدِّهِ(1)، مُتَعَفِّراً(2) عَلى خَدِّهِ!
     الاْنَ عِبَادَ اللهِ وَالْخِنَاقُ(3) مُهْمَلٌ، وَالرُّوحُ مُرْسَلٌ، فِي فَيْنَةِ(4) الاِرْشَادِ، وَرَاحَةِ الاَْجْسَادِ، [وَبَاحَةِ الاحْتِشَادِ](5)، وَمَهَلِ الْبَقِيَّةِ، وَأُنُفِ الْمَشِيَّةِ(6)، وَإِنْظَارِ التَّوْبَةِ، وَانْفِسَاحِ الْحَوْبَةِ(7) قَبْلَ الضَّنْكِ(8) وَالْمَضِيقِ، وَالرَّوْعِ(9) وَالزُّهُوقِ(10)، وَقَبْلَ قُدُومِ الْغَائِبِ المُنتَظَرِ(11)، وَإِخْذَةِ الْعَزِيزِ الْمُقْتَدِرِ.
    

      وفي الخبر: أنّه(عليه السلام) لمّا خطب بهذه الخطبة اقشعرت لها الجلود، وبكت العيون، ورجفت القلوب.
           ومن الناس من يسمي هذه الخطبة: «الغراء».

    
____________
     1. القِيد ـ بكسر القاف ـ : المقدار. والقد ـ بكسر القاف وفتحها ـ : القامة، والمراد مضجعه من القبر لانّه بمقدار قامة الانسان.
     2. متعفّراً: قد لازم العَفَر أي التراب.
     3. الخناق: الحبل الذي يُخْنَقُ به، وإهماله: عدم شدّهِ على العنق مدى الحياة.
     4. الفَيْنة ـ بالفتح ـ : الحال والساعة والوقت.
     5. باحَةُ الدار: ساحتها.
     6. أُنُف ـ بضمتين ـ : مستأنف. والمَشِيّة ـ بتسهيل الهمزة وتشديد الياء ـ : أي المشيئة والارادة.
     7. الحَوْبة: الحاجة والارَب; وانفساحها: سَعَتُها.
     8. الضّنْك: الشدة.
     9. الرّوْع: الخوف.
     10. الزّهُوق: الاضمحلال.
     11. الغائب المنتظر: الموت.


( 164 )


[ 83 ]
ومن كلام له(عليه السلام)
في ذكر عمروبن العاص


     عَجَباً لاِبْنِ النَّابِغَةِ(1)! يَزْعُمُ لاَِهْلِ الشَّامِ أَنَّ فِيَّ دُعَابَةً(2)، وَأَنِّي امْرُؤٌ تِلْعَابَةٌ(3): أُعَافِسُ وَأُمَارِسُ(4)! لَقَدْ قَالَ بَاطِلاً، وَنَطَقَ آثِماً.
     أَمَا ـ وَشَرُّ الْقَوْلِ الْكَذِبُ ـ إِنَّهُ لَيَقُولُ فَيَكْذِبُ، وَيَعِدُ فَيُخْلِفُ، وَيُسْأَلُ فَيَبْخَلُ، وَيَسْأَلُ فَيُلْحِفُ(5)، وَيَخُونُ الْعَهْدَ، وَيَقْطَعُ الاِْلَّ(6); فَإِذَا كَانَ عِنْدَ
____________
     1. النابغة: المشهورة فيما لا يليق بالنساء، من «نبغ» إذا ظهر.
     2. الدُعابة ـ بالضم ـ : المزاح واللعب.
     3. تِلعابة ـ بكسر التاء ـ : كثير اللعب.
     4. أُعافِس: أعالج الناس وأُضاربهم مِزاحاً، ويقال: المعافسة: معالجة النساء بالمغازلة والممارسة كالمُعافَسة.
     5. يُلْحِف: أي يلح.
     6. الالّ ـ بالكسر ـ : القرابة، والمراد من قطع الالّ أن يقطع الرحم.


( 165 )


الْحَرْبِ فَأَيُّ زَاجِر وَآمِر هُوَ! مَا لَمْ تَأْخُذِ السُّيُوفُ مَآخِذَهَا، فَإِذَا كَانَ ذلِكَ كَانَ أَكْبَرُ مَكيدَتِهِ أَنْ يَمْنَحَ الْقَوْمَ سُبَّتَهُ(1).
     أَمَا واللهِ إِنِّي لَـيَمْنَعُنِي مِنَ اللَّعِبِ ذِكْرُ الْموْتِ، وَإِنَّهُ لَْيمَنَعُهُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ نِسْيَانُ الاْخِرَةِ، إِنَّهُ لَمْ يُبَايعْ مُعَاوِيَةَ حَتَّى شَرَطَ لَهُ أَنْ يُؤْتِيَهُ أَتِيَّةً(2)، وَيَرْضَخَ لَهُ عَلَى تَرْكِ الدِّينِ رَضِيخَةً(3).

[ 84 ]
ومن خطبة له(عليه السلام)
[وفيها صفات ثمان من صفات الجلال]


     وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ: الاَْوَّلُ لاَ شَيْءَ قَبْلَهُ، وَالاخِرُ لاَ غَايَةَ لَهُ، لاَ تَقَعُ الاَْوْهَامُ لَهُ عَلى صِفَة، وَلاَ تُعْقَدُ(4) الْقُلُوبُ مِنْهُ عَلَى كَيْفِيَّة، وَلاَ تَنَالُهُ التَّجْزِئَةُ وَالتَّبْعِيضُ، وَلاَ تُحِيطُ بِهِ الاَْبْصَارُ وَالْقُلُوبُ.
    
____________
     1. السّبّة ـ بالضم ـ : الاست.
     2. الاتِيّة: العطيّة.
     3. رَضَخَ له رَضِيحةً: أعطاه قليلاً.
     4. تُعْقَدُ: مجاز عن استقرار حكمها، أي ليست له كيفية فتحكم بها.


( 166 )


منها:


     فَاتَّعِظُوا عِبَادَ اللهِ بِالعِبَرِ النَّوَافِعِ، وَاعْتَبِرُوا بِالاْي السَّوَاطِعِ(1)، وَازْدَجِرُوا بِالنُّذُرِ الْبَوَالِغِ(2)، وَانْتَفِعُوا بِالذِّكْرِ وَالْمَوَاعِظِ، فَكَأَنْ قَدْ عَلِقَتْكُمْ مَخَالِبُ الْمَنِيَّةِ، وَانْقَطَعَتْ مِنْكُمْ عَلاَئِقُ الاُْمْنِيَّةِ، وَدَهِمَتْكُمْ مُفْظِعَاتُ الاُْمُورِ(3)، وَالسِّيَاقَةُ إِلى الْوِرْدِ المَوْرُودِ(4)، (وَكُلُّ نَفْس مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ): سَائِقٌ يَسُوقُهَا إِلَى مَحْشَرِهَا; وَشاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِعَمَلِهَا.

منها: في صفة الجنّة


     دَرَجَاتٌ مُتَفَاضِلاَتٌ، وَمَنَازِلُ مُتَفَاوِتَاتٌ، لاَ يَنْقَطِعُ نَعِيمُهَا، وَلاَ يَظْعَنُ مُقِيمُهَا، وَلاَ يَهْرَمُ خَالِدُهَا، وَلاَ يَبْأَسُ(5) سَاكِنُهَا.

[ 85 ]
ومن خطبة له(عليه السلام)
[وفيها بيان صفات الحق جلّ جلاله ثمّ عظة الناس بالتقوى والمشورة]


     قَدْ عَلِمَ السَّرائِرَ، وَخَبَرَ الضَّمائِرَ، لَهُ الاِْحَاطَةُ بِكُلِّ شَيْء، وَالْغَلَبَةُ لِكُلِّ شَيْء، وَالْقُوَّةُ عَلى كُلِّ شَيْء.
____________
     1. الاي: جمع آية، وهي الدليل. والسواطع: الظاهرة الدلالة.
     2. البوالغ: جمع البالغة غاية البيان لكشف عواقب التفريط. والنّذُر: جمع نذير. بمعنى الانذار.
     3. المفظعات: من «أفظع الامر» إذا اشتد.
     4. الوِرْد ـ بالكسر ـ : الاصل فيه الماء يُورَدُ للريّ، والمراد به الموت أوالمحْشر.
     5. بَئِس ـ كسمع ـ : اشتدت حاجته.


( 167 )


[عظة النّاس]


     فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُ مِنْكُمْ فِي أَيَّامِ مَهَلِهِ، قَبْلَ إِرْهَاقِ أَجَلِهِ(1)، وَفِي فَرَاغِهِ قَبْلَ أَوَانِ شُغُلِهِ، وَفِي مُتَنَفَّسِهِ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ بِكَظَمِهِ(2)، وَلْـيُمَهِّدْ لِنَفْسِهِ وَقَدَمِهِ، وَلْيَتَزَوَّدْ مِنْ دَارِ ظَعْنِهِ لِدَارِ إِقَامَتِهِ.
     فَاللهَ اللهَ أَيُّهَا النَّاسُ، فِيَما اسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، وَاسْتَوْدَعَكُمْ مِنْ حُقُوقِهِ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً، وَلَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدىً، وَلَمْ يَدَعْكُمْ فِي جَهَالَة وَلاَ عَمىً، قَدْ سَمَّى آثَارَكُمْ(3)، وَعَلِمَ أعْمَالَكُمْ، وَكَتَبَ آجَالَكُمْ، وَأَنْزَلَ عَلَيْكُمُ (الْكِتَابَ تِبْيَاناً)، وَعَمَّرَ فِيكُمْ نَبِيَّهُ(4) أَزْمَاناً، حَتَّى أَكْمَلَ لَهُ وَلَكُمْ ـ فِيَما أنْزَلَ مِنْ كِتَابِهِ ـ [دِينَهُ] الَّذِي رَضِيَ لِنفْسِهِ، وَأَنْهَى إِلَيْكُمْ ـ عَلَى لِسَانِهِ ـ مَحَابَّهُ(5) مِنَ الاَْعْمَالِ وَمَكَارِهَهُ، وَنَوَاهِيَهُ وَأَوَامِرَهُ، فَأَلقَى إِلَيْكُمُ
____________
     1. إرْهاق الاجل: أن يُعْجِلَ المُفَرّط عن تَدَارُكَ ما فاته من العمل، أي: يحول بينه وبينه.
     2. الكَظَم ـ بالتحريك ـ : الحلق، أو مخرج النّفس; والاخذ بالكَظَم كناية عن التضييق عند مداركة الاجل.
     3. سَمّى آثاركم: بين لكم أعمالكم وحَدّدها.
     4. عَمّرَ نبيّه: مدّ في أجله.
     5. مَحَابّه: مواضع حبّه، وهي الاعمال الصالحة.


( 168 )


الْمِعْذِرَةَ، وَاتَّخَذَ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةَ، وَقَدَّمَ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ، وَأَنْذَرَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَاب شَديد.
     فَاسْتَدْرِكُوا بَقِيَّةَ أَيَّامِكُمْ، وَاصْبِرُوا لَهَا أَنْفُسَكُمْ(1)، فَإِنَّهَا قَلِيلٌ فِي كَثِيرِ الاَْيَّامِ الَّتِى تَكُونُ مِنْكُم فِيهَاالْغَفْلَةُ وَالتَّشَاغُلُ عَنِ الْمَوْعِظَةِ; وَلاَ تُرَخِّصُوا لاَِنْفُسِكُمْ، فَتَذْهَبَ بِكُمُ الرُّخَصُ مَذَاهِبَ الْظَّلَمَةِ(2)، وَلاَ تُدَاهِنُوا(3) فَيَهْجُمَ بِكُمُ الاِْدْهَانُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ.
     عِبَادَ اللهِ، إِنَّ أَنْصَحَ النَّاسِ لِنَفْسِهِ أَطْوَعُهُمْ لِرَبِّهِ، وَإِنَّ أَغَشَّهُمْ لِنَفْسِهِ أَعْصَاهُمْ لِرَبِّهِ; وَالْمَغْبُونُ(4) مَنْ غَبَنَ نَفْسَهُ، وَالْمَغْبُوطُ(5) مَنْ سَلِمِ لَهُ دِينُهُ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، وَالشَّقِيُّ مَنِ انْخَدَعَ لِهَوَاهُ وَغُرُورِهِ.
     وَاعْلَمُوا أَنَّ يَسِيرَ الرِّيَإِ(6) شِرْكٌ، وَمُجَالَسَةَ أَهْلِ الْهَوَى مَنْسَاةٌ
____________
     1. اصبروا أنفسكم: اجعلوا لانفسكم صبراً فيها.
     2. الظّلَمة: جمع ظالم.
     3. المُداهَنَة: إظهار خلاف ما في الطّوِيّة، والادهان مثله.
     4. المَغْبون: المخدوع.
     5. المَغْبُوط: المستحق لتطلّع النفوس إليه، والرغبة في نيل مثل نعمته.
     6. الرياء: أن تعمل ليراك الناس، وقلبك غير راغب فيه.


( 169 )


لِلاِْيمَانِ(1)، وَمَحْضَرَةٌ لِلشَّيْطَانِ(2).
     جَانِبُوا الْكَذِبَ فَإِنَّهُ مُجَانِبٌ لِلاِْيمَانِ، الصَّادِقُ عَلَى شَفَا مَنْجَاة وَكَرَامَة، وَالْكَاذِبُ عَلَى شَرَفِ مَهْوَاة وَمَهَانَة.
     لاَ تَحَاسَدُوا، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الاِْيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ، وَلاَ تَبَاغَضُوا فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ(3)، وَاعْلَمُوا أَنَّ الاَْمَلَ يُسْهِي الْعَقْلَ، وَيُنْسِي الذِّكْرَ، فَأَكْذِبُوا الاَْمَلَ فَإِنَّهُ غُرُورٌ، وَصَاحِبُهُ مَغْرُورٌ.

[ 86 ]
ومن خطبة له(عليه السلام)
[وهي في بيان صفات المتقين وصفات الفساق والتنبيه إلى مكان العترة الطيبة والظن الخاطىء لبعض الناس]


     عِبَادَ اللهِ، إِنَّ مِنْ أَحَبِّ عِبَادِ اللهِ إِلَيْهِ عَبْداً أَعَانَهُ اللهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَاسْتَشْعَرَ الْحُزْنَ، وَتَجَلْبَبَ الْخَوْفَ(4)، فَزَهَرَ مِصْبَاحُ الْهُدَى(5) فِي قَلْبِهِ، وَأَعَدَّ
____________
     1. مَنْساةٌ للايمان: موضع لنسيانه، وداعية للذهول عنه.
     2. مَحْضَرةٌ للشيطان: مكان لحضوره، وداع له.
     3. فانّها: أي المباغضة. الحالقة: أي الماحية لكلّ خير وبركة.
     4. استشعر: لبس الشعار وهو مايلي البدن من اللباس. وتجلْبَبَ: لَبِسَ الجِلْباب وهو ما يكون فوق جميع الثياب، وقد سبق تفسيرها.
     5. زَهَرَ مصباحُ الهدى: تلالا وأضاءَ.


( 170 )


الْقِرَى(1) لِيَوْمِهِ النَّازِلِ بِهِ، فَقَرَّبَ عَلَى نَفْسِهِ الْبَعِيدَ، وَهَوَّنَ الشَّدِيدَ، نَظَرَ فَأَبْصَرَ، وَذَكَرَ فَاسْتَكْثَرَ، وَارْتَوَى مِنْ عَذْب فُرَات سُهِّلَتْ لَهُ مَوَارِدُهُ، فَشَرِبَ نَهَلاً(2)، وَسَلَكَ سَبِيلاً جَدَداً(3).
     قَدْ خَلَعَ سَرَابِيلَ الشَّهَوَاتِ، وَتَخَلَّى مِنَ الْهُمُومِ، إِلاَّ هَمّاً وَاحِداً انْفَرَدَ بِهِ، فَخَرَجَ مِنْ صِفَةِ الْعَمَى، وَمُشَارَكَةِ أَهْلِ الْهَوَى، وَصَارَ مِنْ مَفَاتِيحِ أَبْوَابِ الْهُدَى، وَمَغَالِيقِ أَبْوَابِ الرَّدَى.
     قَدْ أبْصَرَ طَرِيقَهُ، وَسَلَكَ سَبِيلَهُ، وَعَرَفَ مَنَارَهُ، وَقَطَعَ غِمَارَهُ(4)، وَاسْتَمْسَكَ مِنَ الْعُرَى بِأَوْثَقِهَا، وَمِنَ الْحِبَالِ بِأَمْتَنِهَا، فَهُوَ مِنَ الْيَقِينِ عَلَى مِثْلِ ضَوْءِ الشَّمْسِ، قَدْ نَصَبَ نَفْسَهُ للهِ ـ سُبْحَانَهُ ـ فِي أَرْفَعِ الاُْمُورِ، مِنْ إِصْدَارِ كُلِّ وَارِد عَلَيْهِ، وَتَصْيِيرِ كُلِّ فَرْع إِلى أَصْلِهِ. مِصْبَاحُ ظُلُمَات، كَشَّافُ غَشَوَات، مِفْتَاحُ مُبْهَمَات، دَفَّاعُ مُعْضِلاَت، دَلِيلُ فَلَوَات(5)، يَقُولُ فَيُفْهِمُ، وَيَسْكُتُ فَيَسْلَمُ.
    
____________
     1. القِرَى ـ بالكسر ـ : ما يُهَيّأ للضيف، وهو هنا العمل الصالح يهيّئه للقاء الموت وحلول الاجل. 2. النّهَلُ: أول الشرب، والمراد: أخذ حظاً لا يحتاج معه إلى العمل، وهو الشرب الثاني.
     3. الجَدد ـ بالتحريك ـ : الارض الغليظة، أي: الصلبة المستوية، ومثلها يسهل السير فيه.
     4. الغِمار: جمع غَمْر ـ بالفتح ـ وهو معظم البحر، والمراد أنه عبر بحار المهالك إلى سواحل النجاة.
     5. الفَلَوَات: جمع فَلاة، وهي الصحراء الواسعة، مجاز عن مجالات العقول في الوصول إلى الحقائق.


( 171 )


قَدْ أَخْلَصَ للهِ فَاسْتَخْلَصَهُ، فَهُوَ مِنْ مَعَادِنِ دِينِهِ، وَأَوْتَادِ أَرْضِهِ.
     قَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْعَدْلَ، فَكَانَ أَوَّلَ عَدْلِهِ نَفْيُ الْهَوَى عَنْ نَفْسِهِ، يَصِفُ الْحَقَّ وَيَعْمَلُ بِهِ، لاَ يَدَعُ لِلْخَيْرِ غَايَةً إِلاَّ أَمَّهَا(1)، وَلاَ مَظِنَّةً(2) إِلاَّ قَصَدَهَا، قَدْ أَمْكَنَ الْكِتَابَ مِنْ زِمَامِهِ(3)، فَهُوَ قَائِدُهُ وَإِمَامُهُ، يَحُلُّ حَيْثُ حَلَّ ثَقَلُهُ(4)، وَيَنْزِلُ حَيْثُ كَانَ مَنْزِلُهُ.

[صفات الفساق]


     وَآخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالمِاً وَلَيْسَ بِهِ، فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّال وَأَضَالِيلَ مِنْ ضُلاَّل، وَنَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاكاً مِنْ حبالِ غُرُور، وَقَوْلِ زُور، قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ عَلَى آرَائِهِ، وَعَطَفَ الْحَقَّ(5) عَلى أَهْوَائِهِ، يُؤْمِنُ مِنَ الْعَظَائِمِ، وَيُهَوِّنُ كَبِيرَ الْجَرَائِمِ، يَقُولُ: أَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ، وَفِيهَا وَقَعَ، وَيَقُولُ: أَعْتَزِلُ الْبِدَ