|
" قصة سيدنا
موسى (
عليه السلام )
"
بسم
الله الرحمن الرحيم
والآن يا أعزاءنا ننطلق معاً إلى أرض مصر . . مصر القديمة . . إلى أرض النيل قبل
آلاف السنين . .
هناك
حيث يمضي آلاف العبيد المقهورون أعمارهم في نقل الصخور العملاقة إلى " الجيزة "
لبناء قبور الفراعنة ، فتلك الأهرام التي ما تزال في طليعة الآثار العالمية لم تكن
سوى مقبرة لملوك مصر . .
لقد
كانوا يعتقدون بان الحياة ستعود إليهم ، ولهذا فقد كانوا يهيئون كل أسباب القوّة
والسلطان ، حتى إذا عادوا إلى الحياة أو عادت إليهم الحياة وجدوا كل شيء جاهزاً !
ولعلّ العمال الحفاة كانوا يلقون نظرات متأملة من فوق الهرم عند الانتهاء من بنائه
فيرون الزوارق وهي تنساب فوق أمواج النيل الهادئة ، ويتأملون أشجار النخيل هنا
وهناك على ضفاف النهر الذي يجري صوب البحر الأبيض المتوسط .
كان
العمال يجبرون على العمل الشاق ليل ونهار وكانت السياط تلهب ظهورهم وأجسادهم
العارية .
هبة النيل :
سمى
هيروديت المؤرخ اليوناني مصر " هبة النيل " فلولا نهر النيل ما كانت مصر لأن
الفيضان السنوي الذي يحدث بسبب ذوبان الثلوج هو الذي أخصب مصر وهكذا انتشرت الزراعة
فيها .
وكان
القمح المحصول الأساسي وكان المصريون في ذلك الزمان يصنعون منه الخبز الذي يشبه
خبزنا في الوقت الحاضر .
وفي
" دلتا " النيل انتشرت زراعة العنب وكانت هناك بساتين واسعة من الكروم ، وزرع
المصريون في ذلك الزمان البقول والخضر مثل الفول والحمص ، وكانوا يحبّون البصل
والكراث والثوم والخيار والخسّ .
كما
استخدموا العسل في تحلية بعض الأطعمة ، وشغفوا بزراعة الأزهار للزينة خاصّة في
المناسبات والاحتفالات .
المواصلات :
وبسبب الفيضانات السنوية فقد كان نهر النيل الطريق الرئيسي الذي يربط جنوب مصر
بشمالها .
ولهذا صنعوا قوارب من خشب بعض الأشجار ، وكانت للقوارب دفة واحدة وأشرعة مصنوعة من
النسيج .
وتتحول المدن أثناء الفيضان إلى جزر صغيرة وسط مساحة واسعة من المياه .
الحيوانات :
عرف
المصريون في ذلك الزمان كثيراً من الحيوانات ، فهناك القطط والكلاب التي استخدمت في
الصيد والثيران لحراثة الأرض ، بينما كانت الحمير تستخدم لحمل الأثقال .
وكانوا يرعون الماعز والأغنام في البراري وينظرون إلى الخنزير كحيوان نجس لان لحمه
يتلف بسرعة .
وأحبّ المصريون أكل السمك الذي يوجد بكميات هائلة في نهر النيل .
وعبد
المصريون في فترة من التاريخ التمساح وفرس النهر بسبب خطورتهما ، كما عبدوا الأُسود
لنفس السبب وعبدوا أيضاً بنات آوى التي كانت تحوم حول المقابر .
الكتابة :
عرف
المصريون الكتابة والقراءة وكانت لغتهم تدعى " الهير و غليفية " أي العلامة المقدسة
المحفورة ، فمثلاً تعني ""
الشمس وتدلّ على لفظ النهار وهناك رسوم أخرى تدلّ على ألفاظ أخرى .
تاريخ مصر :
ينقسم تاريخ مصر إلى ثلاث فترات :
الأولى : وتدعى المملكة القديمة ( 2600 – 2280 ) قبل الميلاد .
الثانية : المملكة الوسطى : ( 2100 – 1800 ) قبل الميلاد .
الثالثة : المملكة الحديثة : ( 1500 – 1000 ) قبل الميلاد .
وفي
هذه الفترة ولد سيدنا موسى ين عمران عليه السلام .
وفي
الفترة بين عامي 1500 و 1200 قبل الميلاد كان المصريون دولة قوية جداً ، فقد توسعت
رقعة الإمبراطورية وامتدت إلى بلاد النوبة ( السودان ) وفلسطين .
وكان
الجيش المصري آنذاك يستخدم الخيل والعربات بعد أن اكتشفوا أن أعداءهم يتفوقون عليهم
باستخدام الخيول .
وقد
طغى الفراعنة في هذه الفترة وأعلنوا أنفسهم آلهة للناس خاصّة الفرعون " تحتمس "
والفرعون " رمسيس الثاني " وعندما توفي رمسيس جاء ابنه إلى الحكم وهو الفرعون
منفتاح . . . الذي ظهر في عهده موسى .
بنو إسرائيل :
تذكرون يا أعزائي قصة سيدنا يوسف عليه السلام وكيف هاجر يعقوب وبنوه إلى مصر بعد
أكثر من عشرين سنة من إلقاء يوسف في البئر .
هناك
عاش بنو يعقوب أي بنو إسرائيل ومرّت عشرات السنين فأصبحوا شعباً كبيراً .
عندما توفي يوسف ومرّت مئات السنين نسي الناس فضل يوسف على مصر .
ومرّة أخرى حكم الفراعنة مصر وراحوا يقهرون الناس وكان لبني إسرائيل النصيب الأكبر
من ذلك العذاب والظلم .
وكان
على رجال بني إسرائيل ان يعملوا من الصباح إلى المساء وكان عليهم أن يرضوا بحياة
العبودية والذلّ ، عليهم ان يعبدوا الفرعون لأنه إله الناس ! لهذا كانوا ينتظرون من
ينقذهم .
كان
ينو إسرائيل يتوارثون بشارة منذ زمن يوسف ويعقوب عليهم السلام . . كانوا ينتظرون
ميلاد الرجل الذي سينقذهم من العذاب . .
وعندما كان الظلم يزداد والعذاب يتضاعف فان أحاديثهم عن ميلاد المنقذ كانت تزداد .
سمع
الفرعون بتلك الهمسات . . همسات الناس المعذبين المقهورين وأيّد الكهنة ذلك . .
أكد
الكهنة لفرعون أنه سيولد في بني إسرائيل صبي وسيكون هلاك الفرعون على يديه .
ارتاع الفرعون من هذه النبوءة وراح يفكّر بإبادة بني إسرائيل .
قرر
الفرعون ذبح كل من يولد من الذكور في بني إسرائيل ، ووضع جواسيس على النساء الحوامل
، وكانت النساء القوابل قبطيات وعن طريق هذه النساء يعرف الفرعون وجواسيسه جنس
المواليد .
وقد
صوّر القرآن الكريم تلك الفترة السوداء بقوله تعالى : { وإذ أنجيناكم من آل فرعون
يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم }.
كان
فرعون إنساناً خبيثاً عرف كيف يفرض سطوته على أهل مملكته ، فراح يبث الفرقة
والاختلاف بينهم وجعل كل طائفة تسعى من أجل السيطرة على أخرى وكان الجميع يتقرّبون
إلى فرعون باسترضائه ليكون نفوذهم أقوى .
أما
بني إسرائيل فقد كان الأقباط ينظرون إليهم كغرباء وعبيد ، لهذا كانوا يعيشون حياة
المقهورين ثم جاءت النبوءة بظهور رجل من بني إسرائيل يكون على يديه هلاك الفرعون ،
فأصبحوا يعاملون كما لو أنهم أسرى دولة أخرى .
من
أجل هذا مرّ بنو إسرائيل بأسوأ الفترات في حياتهم ،كان شرطة فرعون يأخذون المواليد
من الذكور للذبح أو يلقونهم في نهر النيل وكانت الأمهات يبكين على أولادهن .
وكان
الفرعون يدوس على تلك الورود المتفتحة للحياة . . كان يسحقها بلا رحمة . . كان
رجلاً جبّاراً مغروراً بنفسه وسلطته .
الطفل الموعود :
وشاء
الله ان يولد موسى . وكانت " يوكابد " تلك المرأة الصالحة حزينة جدّاً فقد اقترب
موعد الوضع ، وكانت القابلة القبطية تزورها لتتأكد من جنس الوليد .
وفي
تلك الظروف المريرة ولد صبي محبوب اسمه موسى كان موسى طفلاً محبوباً جدّاً ، إذا
رآه أحد دخل حبّه في قلبه .
الله
سبحانه ألقى هذه المحبّة على موسى . . من أجل هذا احبّته القابلة وقالت لأمّه :
لا
تخافي يا يوكابد سوف لن أقول شيئاً لأحد .
وأوحى الله في قلب يوكابد أن ترضع موسى ، كانت الأم تتدفق حبّاً لهذا الصبي بوجهه
المضيء وبراءته . . وتساءلت في نفسها هل يكون هو الصبي الموعود ؟
مرّت
أيام ، وكان الجواسيس يبحثون عن كل طفل ذكر يولد ذلك العام لقد كان فرعون يفكر
بطريقة خبيثة فهو يريد عمالاً يعملون بلا أجور لهذا كان يسخر بني إسرائيل للعمل ،
فأصدر أمراً بأن يوقف الذبح عاماً وينفذ عاماً .
وفي
العام الذي سبق ميلاد موسى أنجبت يوكابد ولداً هو هارون .
كان
هارون صغيراً عندما ولد موسى وكانت لهما أخت تكبرهما أعواماً كانت فتاة طيبة وذكيّة
. . تحب أخويها وتعطف عليهما وترعاهما .
ومرّت أيام ويوكابد ترضع وليدها المحبوب ، ولكنها بدأت تشعر بالخوف والقلق . . سوف
يكتشف الجواسيس أنها أنجبت ولداً . . ماذا تفعل كيف يمكنها أن تحمي موسى من خطر
الفرعون ؟
كيف
تحفظه من الذبح ؟ من الخناجر التي ذبحت عشرات الأطفال الأبرياء وفجعت عشرات الأمهات
؟!
أوحى
الله في قلب الأم أن تصنع صندوقاً صغيراً لموسى وعندما تشعر بالخطر تلقيه في نهر
النيل . . .
ونفذت الأم الشجاعة هذه الفكرة وكانت ابنتها تساعدها وذات ليلة عندما شعرت بالخطر
يقترب ، والجواسيس يفتشون المنازل بحثاً عن الأطفال الرضع . . انطلقت يوكابد مع
ابنتها في الظلام إلى نهر النيل . . .
نظرت
الأم الحزينة إلى أمواج النيل ، ونظرت إلى طفلها الصغير كان موسى نائماً . . أرادت
أن تعود إلى المنزل ولكن قوّة في أعماقها كانت تدفعها إلى أن تسلم الصندوق إلى
أمواج النيل . . .
نظرت
يوكابد إلى السماء المرصعة بالنجوم ، وتدفق في قلبها نبع من السلام ...
كانت
يوكابد امرأة مؤمنة وكانت واثقة من أن الله سوف يحمي وليدها من التماسيح الخطرة ومن
أنياب فرس النهر ومن كل الأخطار المحدقة بهذا الطفل البريء .
كانت
واثقة من أن الله سيعيده إليها . .
في
لحظة مزيجه من الخوف والإيمان والحبّ وضعت
يوكابد الصندوق الصغير على صفحة مياه النيل .
وكانت الأمواج المتألقة بسبب ضوء القمر رحيمة بالطفل البريء الوحيد فأخذته بعيداً .
. .
كادت
يوكابد تصرخ وهي تراقب الصندوق إلى أن اختفى بسبب الظلام ، نظرت إلى النجوم . . إلى
القمر . . إلى السماء الواسعة . . إلى الله . . تدفق نبع السلام في قلبها وعادت مع
ابنتها إلى المنزل وهي تشعر تحتضن مرّة أخرى طفلها الصغير موسى .
القصر الفرعوني
:
لم
تنم يوكابد تلك الليلة . . كان قلبها مع موسى . . مع ذلك الصندوق الذي تتقاذفه
الأمواج في النيل .
أشرقت الشمس ، واستيقظت الطبيعة من سباتها الليلي ، وانطلق الصياديون إلى النيل
بحثاً عن الرزق ، والفلاحون إلى حقولهم ، والرعاة إلى المروج . .
وكان
الصندوق يتهادى بين أمواج النيل . وكان صوت طفولي ينبعث منه . . صوت بريء يبحث عن
حضن دافئ .
كانت
آسية زوجة فرعون امرأة طيبة . . امرأة بعكس زوجها متواضعة تحب الناس . . تحبّ الخير
. . تكره الظلم . .
كانت
تتألم لما يفعله زوجها وما يرتكبه من الظلم والشرور .
كانت
آسية في ذلك الصباح المشرق جالسة تتأمل المياه المتدفقة في النيل . . تنظر إلى
الزوارق والقوارب وهي تنساب في النهر .
فجأة
وقعت عيناها على صندوق صغير تدفعه الأمواج إلى الشاطئ الأخضر ... رسا الصندوق
الصغير مثل سفينة جميلة ..سمعت آسية صوتا طفوليا ..
نهضت
من مكانها أمرت الحارس أن يحضر الصندوق ، كانت هناك فتيات مع آسية .. فتيات يخدمنها
.. أحضر الحارس الصندوق و وضعه أمام زوجة الفرعون و أدى تحية الاحترام و هو يتقهقر
إلى الوراء .
في
الأثناء حضر فرعون . . كان يمشي وأنفه إلى السماء مغروراً بنفسه وسلطته . . في يده
عصا قصيرة مصنوعة من خشب الابنوس ومطعمة بالجواهر والذهب .
وعندما يشير بعصاه فان هذا يعني أمراً نافذاً على الجميع إطاعته .
حضر
فرعون وارتاع لمنظر صبي في الصندوق ، نظر إليه بحقد واشتعلت في نفسه رغبة في أن
يذبحه بنفسه . . ربّما يكون الصبي الذي تنبأوا بزوال ملكه على يديه !
أشار
الفرعون بعصاه السوداء ، وامتثل الجنود ينتظرون الأمر . .
عندما أشار فرعون إلى رقبة الطفل البريء عرفوا أنه يطلب ذبحه !!
وفي
تلك اللحظة هبّت آسية تلك المرأة الطيبة . . كانت محرومة من الأطفال وعندما رأت
موسى تدفق نبع الأمومة في قلبها . .
{
قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ
وَلَدًا }!!
سكت
فرعون رأى في عيني زوجته موقفاً صلباً لا يعرف التراجع .
فكر
في ان زوجته قد يفارقها الحزن بسبب حرمانها من الأطفال فلماذا لا يسكت عن هذا الطفل
؟ لماذا يذبحه ؟ . . لقد ذبح عشرات الأطفال ومن الممكن أنه ذبح الطفل الموعود
وانتهت النبوءة ! أدار الفرعون ظهره ومضى .
وابتدرت آسية لتعانق الطفل البريء موسى . . كان وجهه المضيء يبعث الحب في القلوب ،
وكانت عيناه الصافيتان تبحثان عن وجه أليف .. عن وجه يحبّه . . ولكن الطفل لم ير
الوجه المشرق . . كان يبحث عن صدر دافئ . . صدر يمنحه اللبن والشعور بالسلام . .
ولكن لا شيء . .
بكى
موسى . . علا صوته الطفو لي . . هبّت آسية أحضرت له نساء مرضعات . .
جاءت
أحداهن وأخذت موسى في حضنها ، ولكن الطفل استمر في بكائه . . كان جائعاً ولكن
العجيب أنه لا يقبل أن يرضع من ايّة امرأة أبداً . .
استمر موسى في بكائه أنها قدرة عجيبة مدهشة كانت تمنع الطفل عن الرضاعة بالرغم من
جوعه الشديد . . .
الوعد الإلهي :
كانت
" يوكابد " امرأة مؤمنة بالله وكان قلبها يحدّثها بان موسى سيعود إليها . . ماذا
فعلت تلك الأم البائسة ؟
قالت
لابنتها :
تقصّي أثره لنعرف ماذا سيحدث لأخيك .
انطلقت الأخت تراقب الصندوق الصغير في نهر النيل ليس هناك من يعرف سرّ الصندوق
سواها وأمها والله ثالثهما . .
شاهدت الأخت كل شيء .
في
ذلك الصباح المثير كانت تراقب ما يجري على الشاطئ الأخضر أمام قصر الفرعون الذي
تحفه الأشجار . .
كانت
تراقب من وراء نخلة ما يجري وكانت تصغي بألم إلى صراخ أخيها الذي يبحث عن ثدي أمّه
.
عندما جاءت نسوة كثيرات لا رضاع موسى ، حشرت أخت موسى نفسها بين النسوة وكأنها فتاة
غريبة جاءت مع إحدى النساء .
عندما رأت موسى خفق قلبها ، ولكنها تماسكت وتشجعت لتبدو فتاة لا تعرف الطفل ولم تره
من قبل .
كانت
آسية تبحث عن امرأة يمكنها ان ترضع هذا الطفل المحبوب ، لهذا قالت أخت موسى :
{
هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ
}؟
استبشرت آسية وقالت :
نعم
. . نعم أحضريها الآن . . حالاً . . ان الطفل سيموت من البكاء .
ركضت
الفتاة بأقصى سرعة كانت فرحة جدّاً . . دخلت على أمّها لتبشرها بما حصل .
وجاءت يوكابد وهي تتظاهر بأنها غريبة لا تعرف الطفل . . تأخرت قليلاً حتى تبدد
الشكوك التي قد تحوم حولها .
جاءت
يوكابد لترى آسية تنتظرها على أحرّ من الجمر . .
أخذت
يوكابد موسى وبذلت قدرة جبّارة للسيطرة على مشاعرها . . بدا وجهها خال من أي تعابير
توحي بأنها أمّه .
فجأة
سكت موسى في حضن أمّه . . وفرحت آسية وهي ترى موسى يشرب اللبن .
فكرت
آسية زوجة الفرعون أن تستأجر يوكابد لا رضاع الطفل وأرادت يوكابد ان تطرد عنها
الشكوك تماماً فقالت :
انني
ارضع ابني هارون .
قالت
آسية :
أنت
امرأة قوية ويمكنك إرضاع الاثنين معاً . . سوف اقدّم لك مكافأة جيدة .
تظاهرت يوكابد بأنها ستوافق من أجل المكافأة . . وهكذا عاد موسى لأمّه مرّة أخرى ،
وتحقق وعد الله .
وتضاعف إيمان أم موسى بأن الله سبحانه هو القادر على كل شيء وأنه لا يردّ قضاءه أحد
.
ممفيس :
ممفيس
هي عاصمة الفراعنة في ذلك الزمان . . على شاطئ النيل وفي خارج هذه المدينة بنى
الفرعون قصره الكبير في الشمال . .
قصر
الفرعون في الضفة اليسرى من النيل ، وفي غرب المدينة وفي منطقة صحراوية جافّة بنى
الفراعنة قبورهم وهي الأهرامات التي ما تزال قائمة حتى اليوم في منطقة الجيزة .
وأتم
موسى فترة الرضاعة في أحضان أمه ، ثم انتقل بعدها ليعيش في قصر الفرعون في الشمال
خارج المدينة .
وكبر
موسى أصبح فتى رشيداً ، كان يرتدي زيّاً يشبه ما يرتديه النبلاء من الأقباط ، وكان
الجميع ينظرون إليه ويحسبونه ابناً للفرعون .
ولكن
موسى في حقيقته كان غير ذلك . . كان فتىً طيباً يحب الضعفاء ويعطف عليهم وكان يتألم
في أعماقه من أجل الناس الفقراء والمقهورين ، ويرفض في قرارة نفسه تصرفات الفرعون .
وكبر
موسى ونما عقله أصبح شاباً مفتول العضلات قوّياً يهابه الجميع .
غير
أن موسى لم يغتر بقوّته أبداً . . كان يزداد تواضعاً وكان ينظر إلى إدّعاء فرعون
بأنه إله الشعب افتراءً على الحقيقة لأن الإله لا يمكن أن يكون بشراً فكيف بفرعون
ذلك الإنسان المغرور الطائش ؟!
وخلال تلك الفترة الطويلة التي تمتد إلى ثمانية عشرة سنة عرف موسى أشياء كثيرة وعرف
حقائق كثيرة ، واكتشف انه ليس ابناً للفرعون ، بل انه ليس قبطياً أنه ابن عمران من
بني إسرائيل .
وعرف موسى ان بني يعقوب جاءوا إلى مصر من فلسطين . . جاءوا بعد ان أصبح يوسف بن
يعقوب زعيماً كبيراً وهو الذي انقذ مصر من الجوع قبل مئات السنين . .
والآن أصبح بنو إسرائيل أو بنو يعقوب عبيداً للفرعون الذي يصب عليهم العذاب . .
يذبح الأطفال ويستبعد الرجال ويفرض على الجميع عبادته وحده!
وراح
موسى يتردد على المدينة بين فترة وأخرى . . وأصبح يغيب عن القصر أياماً . . وكان
ينفر من ثيابه المصنوعة من الكتّان الرقيق ليرتدي لباساً خشناً مصنوعاً من الصوف .
موسى
يفكر بمصير بني يعقوب . . لقد أصبحوا أمّة كبيرة ولكنها خائفة وذليلة . . أبناء
يعقوب يخافون من الفرعون . . كانوا ينتظرون من يخلصهم . . ينتظرون فقط !
صراع مع الظلم :
لم
يقف موسى مكتوف الايدي . . كان يحاول أن يفعل شيئاً من أجل المظلومين . . لهذا كان
يتسلل من القصر . ويذهب إلى المدينة وكان يقف بوجه الظالمين .
عندما يدخل المدينة كان يشاهد بعض القبط وبأيديهم السياط ، وسرعان ما ينهالون لسبب
ولغير سبب على رجل مظلوم من بني إسرائيل . .
لهذا
كان يهب لنجدة المظلوم ويوجه ضرباته العنيقة للظالم الذي يفضل الفرار أمام قبضة
موسى المدمّرة .
وذات
يوم خرج موسى من القصر . . القصر يقع في شمال مدينة ممفيس .
دخل
المدينة وكان الوقت ظهراً وقد عاد الناس إلى بيوتهم كانت المدينة شبه معطلة .
.الشوارع والأزقة خالية من الماره تقريباً .
ورأى
موسى رجلين يتشاجران أحدهما كان قبطياً والآخر كان من بني إسرائيل .
كان
القبطي ينهال على ذلك الرجل بالسياط وكان الرجل الإسرائيلي يستغيث ويطلب النجدة . .
وهبّ
موسى لنجدة المظلوم . . كان موسى قويّاً قد آتاه الله بسطة في الجسم .
اعترض موسى الرجل القبطي ودفعه ولكن القبطي كان يريد مواصلة العدوان ، اضطر موسى أن
يسدد له ضربة عنيفة ، سقط بعدها المعتدي صريعاً . .
شعر
موسى بأنه ارتكب خطأ جسيماً لأنه ليس من الصحيح أن يفعل ذلك . .
ان
فرعون ساخط عليه بسبب أفكاره التوحيدية وكان يضع عليه الجواسيس ويراقب كل حركاته .
ان
مقتل الرجل القبطي سيكون ذريعة للفرعون في الانتقام من بني إسرائيل . . سوف يثير
الفرعون أحقاد القبط ويحرّكهم ضد موسى وبني إسرائيل .
لم
يكن هناك أحد يعرف ماذا حصل ؟ . اختفى موسى عن الأنظار .
وكانت الشرطة تبحث عن الفاعل .
لم
يرجع موسى إلى القصر . . كان يخشى بطش الفرعون . .
لهذا
أمضى ليلته في المدينة . . وحدث ما لم يكن في الحسبان .
رأى
موسى الرجل الإسرائيلي يتشاجر مع رجل قبطي آخر . . استغاث الرجل الإسرائيلي بموسى
..
كان
موسى منزعجاً مما حصل بالأمس ، ومع ذلك فقد هبّ لنجدة المظلوم . . تقدّم إليهما وهو
يخاطب الإسرائيلي قائلاً :
{
إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ } . . انت تتشاجر كل يوم وهذا ليس صحيحاً .
ظن
الإسرائيلي ان موسى سوف يبطش به لهذا صرخ قائلاً :
{
يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ ؟ إِن
تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ
مِنَ الْمُصْلِحِينَ }. .
عندما سمع الناس ذلك اكتشفوا ان القاتل لم يكن سوى موسى وركض الجواسيس لاخبار
الفرعون بذلك .
المؤامرة :
في
القصر كان الفرعون يتآمر مع أعضاء حكومته . . كان يفكر في أن موسى هو الرجل الموعود
. . انه لا يكفّ عن بث أفكاره الخطيرة . . وكان يعرف قبل أن يخبره الجواسيس ان موسى
هو الذي قضى على الرجل القبطي . .
لهذا
قرر ان يقتل موسى مهما كان الثمن . .
وكان
هناك رجل قبطي طيب . . يحب موسى لأخلاقه الرفيعة وحبّه للخير والضعفاء ولشجاعته . .
أسرع
الرجل يبحث عن موسى . . دخل المدينة وراح يسأل عن موسى حتى عثر عليه قال له محذّراً
:
{
يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي
لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ }.
لم
يكن هناك وقت للانتظار. . ان هذا الفرعون الطاغية لن يتورّع عن قتله . .
من
أجل هذا أسرع موسى في اتخاذ قرار الهجرة من مصر كلها في أسرع وقت .
استقل موسى زورقاً ليعبر نهر النيل إلى الضفة اليمنى . . ومن هناك انطلق باتجاه
الشرق متوجهاً نحو خليج السويس . .كان هدف موسى أرض مدين . .
نظر
موسى إلى السماء وقال بخشوع :
{
عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ }.
كانت
شرطة فرعون تبحث عنه في كل مكان ، ومضى موسى يجتاز الصحراء والمنعطفات الجبلية على
البحر الأحمر ودلتا النيل .
الطريق إلى مدين
:
الرمال في سيناء مد البصر ، وموسى وحيداً في تلك المنعطفات الجبلية على شواطئ البحر
الأحمر .
ثلاثون يوماً تمرّ وموسى يقطع الطرق المقفرة الموحشة في صحراء سيناء .
كانت
قدماه قد تورمتا وهو يطوي عشرات الأميال مشياً ، ولم يكن طعامه طوال الطريق سوى ما
يعثر عليه من بقول الأرض البرّية .
وكانت الشمس ترسل أشعة الأصيل عندما وصل موسى أرض مدين .
كانت
مدين لا تخضع لنفوذ الفراعنة ، وهي منطقة تقع في منتصف الطريق بين الحجاز ومصر على
مقربة من سواحل خليج العقبة شرقاً .
أطلّ
موسى على الوادي الفسيح وجلس عند صخرة تظلّلها شجيرة شائكة .
كان
موسى متعباً جداً بعد رحلته الشاقّة ، وكانت الشمس تجنح باتجاه المغيب .
راح
موسى يراقب قطعان الماشية يسوقها رعاة اشدّاء إلى البئر .
واصطبغ الأفق الغربي بألوان حمراء وبرتقالية متموجة ، فشعر موسى وهو يتأمل جلال
الطبيعة بخشوع يتغلغل في قلبه .
نسي
آلامه ومتاعبه وكانت روحه تذوب مع كل ذرّة من ذرّات الكون الفسيح .
كانت
رحلته التي استغرقت شهراً قد صنعت منه انساناً آخر . . أن قلبه يتفتح للحقائق
الكبرى .
كان
موسى يصغي إلى ثغاء الأغنام وهي تنحدر باتجاه البئر الوحيدة في الوادي .
وتصاعدت أصوات الرعاة وهم يتدافعون للاستباق ، ورأى موسى منظراً جديداً للاستضعاف .
. رأى القويّ هو الذي يحوز الماء أما الضعيف فعليه ان ينتظر . . أن يتحمل ألم
الانتظار ومرارة الصبر .
راح
الرعاة الأشداء يملأون الأحواض لأغنامهم ، فيما ظهرت فتاتان تذودان قطيعهما . .
وكانتا تنتظران في انكسار فراغ الرعاة من السقي .
وهبّ
موسى كعادته إلى نجدتهما . . نسي آلام قدميه المتورّمتين .
تقدم
موسى نحو الفتاتين وقال بأدب :
ما
خطبكما ؟
قالت
الفتاتان :
{
لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ }.
بالرغم من تعبه وآلامه . . بالرغم من جوعه الشديد فلقد بعثت الحمية في قلبه قوّة
كبيرة . .
أمسك
بالدلو ورماه في أعماق البئر . . وقف الرعاة ينظرون إليه . . ينظرون إلى الرجل
الغريب وإلى عضلاته المفتولة . .
ملأ
موسى الحوض وساقت الفتاتان قطيعهما الذي راح ينهل الماء حتى ارتوى . .
فرحت
الفتاتان وفي ذلك اليوم عادتاً إلى المنزل مبكّرتين .
لم
يكن أبوهما ذلك الشيخ الكبير سوى شعيب النبي
( عليه السلام )
،
عندما رأى ابنتيه تعودان على غير عادتهما في التأخر قال متعجباً :
ماذا
حصل ؟
قالت
ابنته :
جاءنا شاب طيب غريب عن هذه الديار . . رحمنا فسقى لنا .
وقالت الأخرى :
يبدو
عليه التعب والجوع يا أبي .
قال
الأب :
استدعيه يا ابنتي لنعطيه أجرته .
رحمة الله :
كان
موسى قد عاد إلى مكانه ، وشعر بالجوع يعتصر بطنه نظر إلى السماء وقال : {ربّ إنّي
لما أنزلت إليّ من خير فقير }.
كان
موسى يتمنى تمرة واحدة تهّدئ من ألم الجوع . . الله سبحانه استجاب دعاءه . .
جاءت
ابنة شعيب تمشي في حياء ، وقفت قريباً منه وقالت بأدب :
{
إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا }.
نهض
موسى ملبيّاً دعوة رجل كريم . .
وعلى
مائدة الطعام ذكر موسى اسم الله شاكراً نعمته واستجابة دعائه .
وراح
موسى يروي قصص الظلم في مصر وما يعانيه المستضعفون تحت حكم الفرعون .
طمأن
شعيب ضيفه وقال :
{
لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ }. . ان هذه الأرض لا تخضع لحكم
الفراعنة .
القويّ الأمين :
احبّ
شعيب ضيفه . . ان موسى لا ينفك يذكر الله سبحانه في كل شيء ، وكان شعيب يحبّ الله .
. من أجل هذا فهو يحب المؤمنين . .
أحبّ
شعيب موسى أكثر عندما عرف انه من نسل يعقوب من ذرّية إبراهيم الخليل
( عليه السلام )
. .
وأحبّ شعيب موسى لأمانته لقد عرف ذلك بعد أن دار حديث عائلي . . قالت ابنته :
{
يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ
}.
قال
شعيب متسائلاً :
لقد
عرفنا قوّته فكيف عرفت أمانته .
قالت
:
عندما ذهبت إليه أدعوه إلى المنزل . . كان مطرقاً ولم ينظر إليّ . . قال لي تأخرى
عني ودلّيني على الطريق !
عندما جلس موسى يتحدث إلى شعيب قال له في حضور ابنته :
يا
موسى { إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ }.
سكت
موسى حياءً لأنه رجل فقير لا يملك شيئاً ، ولكن شعيباً
( عليه السلام )
قال
له :
شرط
أن ترعى غنمنا ثمان سنين وإن شئت أن تجعلها عشراً فمن فضلك . . أنني لا أريد أن اشق
عليك ستجدني رجلاً يعرف حقك .
قال
موسى بأدب :
{
ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ
عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ }.
العودة إلى
الوطن :
تزوج
موسى في أرض مدين ، واستقرّ به المقام ولكنه لم ينس مصر ولم ينس الناس المستضعفين
المقهورين هناك غير انه انصرف إلى عمله في نشاط وإخلاص يرعى الغنم يذهب بها على
المروج . . إلى التلال . . إلى الوديان ثم يعود بها في الغروب .
لم
يكن موسى ليزاحم الرعاة أبداً ، وكان يختار لماشيته أمكنة مليئة بالعشب . ثم ينصرف
إلى تأملاته . . كان يفكر . .
تعلم
أشياء كثيرة . . عرف كيف يهش على الغنم ويسوقها إلى المراعي .
وكان
يراقبها ويحافظ عليها من الذئاب . . الأغنام لا تعرف ماذا عليها أن تفعل فهي تستجيب
لعصا الراعي . وعندما تنظر إليه تشعر بالأمن ، فتنصرف إلى تناول العشب بسلام .
ما
أجمل الحياة في المراعي . . ان نفس موسى تمتلأ جلالاً لله سبحانه .
في
كل يوم تشرق الشمس . . تعبر السماء ترسم الواناً زاهية في الأفق . . ثم تتجه نحو
الغروب ، وكانت نفس موسى تمتلأ خشوعاً للخالق العظيم . . لهذا كان يرى فرعون صغيراً
وحقيراً . . كيف يدّعي الإنسان الضعيف انه إله من دون الله ؟!
الناس الضعفاء في مصر يخافون سطوة الفرعون وكانوا يتظاهرون بعبادته .
وهكذا تمرّ الاعوام . . عاش موسى عشر سنين في مدين .
أصبح
عمره أربعين سنة . . تضاعفت تجربته في الحياة لا أحد يعرف هل ذهب موسى خلال تلك
السنين إلى مكّة ؟ ان شعيباً
( عليه السلام )
عندما استأجره ليرعى الغنم قال له : { عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ }
ومعنى هذا ان الحج معروف في ذلك الزمان ، وان شعيباً كان يحج بيت الله .
عندما أصبح عمر موسى أربعين سنة كان قد وفى بوعده لشعيب وقد أتم الأجل الثاني أي
إنه ظلَّ يرعى الغنم عشر سنين كاملة .
وفكر
موسى ان يعود إلى مصر . . كان يشعر ان له مهمّة ويجب عليه أن يقوم بها .
وذات
مساء شتائي ، وفيما كان الناس في مدين يجلسون حول مواقدهم للدفء قال موسى لشعيب .
لقد
تم الأجل الذي بيننا . . يجب أن أعود إلى مصر .
سأدعو الله أن يحميك من شرور الفرعون . . ان الله سينصرك لأنك مع الحق . . عندما
تكون مع الحق فان الحق سينصرك .
وذات
صباح مشرق كان موسى يسوق غنمه مغادراً أرض مدين متوجهاً نحو مصر .
كل
تلك السنين لم ينس موسى مصر . . لم ينس الناس المظلومين هناك .
كان
يفكر بانقاذهم من الظلم من الجهل . . لقد نسوا دين إبراهيم . . دين يعقوب . . دين
يوسف نسوا أن الله وحده هو رب العالمين وانّ فرعون مجرّد بشر ضعيف .
الإنسان عندما ينسى الله فانه سيخاف من كل شيء ، وعندما يؤمن بالله ولا يخاف من أحد
إلاّ الله فانه سيكون إنساناً شجاعاً حرّاً يخاف منه الظالمون .
نداء السماء :
الصحراء مدّ البصر ، موسى بن عمران الذي بلغ الأربعين من عمره يغادر مدين عائداً
إلى مصر .
فرّ
من مصر وحيداً خائفاً ، وعاش في أرض مدين عشر سنوات ، تزوّج وأصبحت له أسرة ، وأصبح
له قطيعاً من الأغنام .
وها
هو الآن يسوق قطيع الماشية عائداً إلى أرض الوطن . .
كان
موسى يسير في الصحراء ومن بعيد كانت تلوح له جبال صغيرة .
الرياح الشتائية تهبّ فتلفح الوجوه ، وموسى يهش على غنمه بعصاه ويسير ، كان يرتدي
ثياباً منسوجة من الصوف . . فهو يحبّ بطبعه حياة التواضع والبساطة .
لهذا
كان يمقت الفرعون . . " منفتاح " يرتدي ثياباً كتانية رقيقة موشّاة بالذهب !
والجواهر الثمينة .
موسى
في منتصف الطريق في جزيرة سيناء على مقربة من جبل الطور .
الرياح الشتائنة الباردة تعصف بشدّة وقد خيم الظلام تماماً .وقف موسى حائراً لقد
ضاع عليه الطريق .
كانت
زوجته ترتجف من البرد ، كان موسى ينظر في كل اتجاه ليعرف الطريق الذي يسلكه .
فجأة
سطع نور من جهة جبل الطور . . رأى موسى ناراً تتوهج من بعيد لهذا قال لزوجته : انني
أرى ناراً . . امكثوا حتى آتيكم منها بجذوة نتدفأ بها ، وربّما عثرت على الطريق .
قال
موسى ذلك واتجه صوب النار المتوهجة وسط الظلام .
وشيئاً فشيئاً كان موسى يقترب من المكان ، لم يجد موسى قرب الشجرة أحداً .
كانت
هناك شجرة تتوهج ناراً لكنه لم ير أحداً يسأله عن الطريق !
شيء
عجيب ! شعر موسى أن هذا المكان مفعم بالصمت والهدوء لا أثر فيه للرياح والبرد ، حتى
أنه كان يسمع وقع عصاه وهي |